باريس – موناليزا فريحة التزاما منها لتقليد قطعته على نفسها منذ ايام الملك فرنسوا الاول لحماية مسيحيي الشرق، ابدت باريس استعدادها لاستقبال مسيحيي العراق الهاربين من الموت او العبودية اللذين خيرهم بينهما تنظيم "الدولة الاسلامية". فهل يصير مسيحيو بلاد ما بين النهرين آخر "شعوب البواخر"؟ منذ 2004، يعاني مسيحيو العراق وضعا صعبا. فزيادة الاستقطاب المذهبي في البلاد حولهم ضحايا جانبية في نزاع دموي ودفع كثيرين منهم الى الرحيل، الامر الذي قلص عددهم من مليون نسمة تقريبا الى نحو 300 الف. ولكن منذ العاشر من حزيران الماضي، اكتسب الخطر المحدق بهم بعدا جديدا وباتوا هدفا واضحا لـ"الدولة الاسلامية" الساعية الى اقتلاع تاريخ عمره 2000 سنة. ففي الموصل التي تضم اكثر من 20 كنيسة وحيث ولدت المسيحية في العراق، كما في نينوى، لم يعودوا شعبا مرغوبا فيه بعد التمدد الاسلامي المفاجئ، وبدءا من 17 تموز، بدأوا يطردون عنوة بعد وضع علامات ورموز على منازلهم، فيما اقترح عليهم المحتلون الجدد مجموعة من الخيارات القاسية، والتي تتمثل في اعتناق الاسلام، او دفع الجزية، او الموت.
وفي ظل تجاهل دولي مريب للاضطهاد الذي يتعرض له مسيحيو الموصل خصوصا، ايدت باريس في بيان مشترك لوزيري الداخلية برنار كازنوف والخارجية لوران فابيوس استعدادها لاستضافة مسيحيي العراق، وسط ضغوط مارستها اوساط كاثوليكية ويمينية حساسة حيال هذا الموضوع، الا ان هذه المبادرة اثارت مخاوف من ان تعتبر اذعانا للتنظيم الجهادي وتشجعه على زيادة العنف حيال مسيحيي العراق والمنطقة برمتها، او مساهمة في افراغ هذه المنطقة من مسيحييها.
كان الوزيران واضحين في ان باريس توجه رسالة الى مسيحيي العراق مفادها انها مستعدة لمساعدتهم عند تعرضهم للاضطهاد. هذا بينما، توجهت بعثة من الكنيسة الكاثوليكية الى العراق في زيارة تستمر ثلاثة ايام برئاسة الكاردينال فيليب بارباران لتشجيع المسيحيين على البقاء في ارضهم. وتفقدت البعثة الاف العائلات التي لجأت الى كردستان هربا من الموت المحتوم. ولا اجراءات محددة حتى الآن لاستقبال المسيحيين العراقيين. ففيما يشير بيان الوزيرين الى "مساعدة انسانية استثنائية"، لا يحدد اي اطار واضح.
ونقلت صحيفة "الموند" عن وزارة الداخلية "انها مجرد رسالة وسنرى لاحقا كيف يتطور ذلك"، مع العلم انها ليست المرة الاولى في السنوات الاخيرة تعلن باريس مبادرة كهذه، وان تكن اعادت الى الاذهان البواخر التي ارسلتها دول غربية الى لبنان خلال الحرب الاهلية لاجلاء المسيحيين!
فخلال ولاية الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، حصلت نحو الف عائلة عراقية مسيحية على اللجوء في فرنسا بمبادرة من وزير الخارجية في حينه برنار كوشنير. وعام 2010، تمكن 150 عراقيا من المجيء الى فرنسا، بمبادرة من وزير الهجرة في حينه اريك بيسون.
بالنسبة الى رئيس منظمة "فرنسا ارض المنفى" بيار هنري، يمكن تكرار التجربة الآن لكنه لا يرى حتى الآن جهازا قادرا على تنفيذ مبادرة كازنوف – فابيوس. ومع ذلك، يقول انه يمكن مبادرة كهذه تعبئة القنصليات الفرنسية لستهيل منح تأشيرات خاصة. كذلك، يمكن ان تعتبر اشارة الى مسيحيي العراق انه يمكنهم المجيء الى فرنسا بوسائلهم الخاصة، على ان تتولى السلطات تسهيل حصولهم على اللجوء.
وفي المقابل، يحذر انطوني يالاب، رئيس لجنة دعم مسيحيي العراق، وهي لجنة انشئت حديثا، من ان اعلان الوزيرين قد يكون سيفا ذا حدين "فمن جهة نرحب بهذه المبادرة التي تخرق الصمت، لكننا لا نريد ان تبقى نداء فارغا وتتحول اداة للاسلاميين" لزيادة العنف حيال المسيحيين.
وقد خرجت في الايام الاخيرة تظاهرات بقيت خجولة لحشد الدعم لمسيحيي العراق. ففي 20 تموز، نظمت لجنة دعم مسيحيي العراق اعتصاما امام بعض مقار التلفزيون الفرنسي للتنديد بالحيز الواصع الذي تحظى به الحرب الاسرائيلية على غزة، مقارنة بالضحايا من المسيحيين الذين يسقطون على ايدي الاسلاميين. وفي المقابل، خرج من يحذر من استغلال اليمين المتطرف ما يحصل ضد مسيحيي العراق لشيطنة المسلمين، كما يبدو.
وفي هذا المجال، نقلت "الموند" عن المستشار الاقليمي لمنطقة ايل دو فرانس باتريك كرم الذي ينتمي الى حزب الاتحاد من اجل حركة شعبية، وهو ماروني لبناني الاصل، ان "هناك خطرا حقيقيا لاستغلال القضية... باظهاره الاضطهاد للمسيحيين، يشيطن اليمين المتطرف المسلمين".
|