التاريخ: آب ٥, ٢٠١٤
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من غزة لتجنّب الانجرار إلى حرب استنزاف


رنده حيدر
من يقرأ المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو السبت الماضي في مقر وزارة الدفاع مع وزير الدفاع موشي يعالون ورئيس الاركان اللفتنانت جنرال بني غانتس، لا بد ان يلاحظ المفارقة التي برزت في مواقفه وتصريحاته. فهو من جهة اعلن مواصلة عملية "الجرف الصامد" في قطاع غزة الى ان تحقق هدفها الاساسي اي اعادة الامن والهدوء، لكنه من جهة اخرى اوضح ان الجيش سيعيد انتشاره في القطاع وفقا للحاجات الامنية لاسرائيل، وذلك بعد الانتهاء من تدمير الانفاق الهجومية وسيبقى جاهزا لكل الاحتمالات.
 
كيف يمكن تفسير هذا الكلام؟ فهل معناه ان الحرب على غزة انتهت وان الجيش سيعود الى مواقعه السابقة؟ وهل يعني ان اسرائيل انتصرت وهزمت "حماس"؟ ليس في كلام نتنياهو رد واضح على السؤالين. والامر الوحيد الثابت اليوم هو ان الجيش الاسرائيلي بدأ بسحب قواته من انحاء في القطاع واعادة تموضعها ضمن منطقة محاذية للسياج الحدودي وعلى التلال المحيطة به داخل الاراضي الفلسطينية، كما بدأ بتقليص عديد قواته النظامية. اما مسألة الانتصار ونهاية الحرب فلا تزال بعيدة المنال.

عسكريا، يفسر عدد من الخبراء العسكريين الانسحاب الاسرائيلي من طرف واحد بأنه يدخل ضمن اطار تجنيب الجيش الاسرائيلي الانجرار الى حرب استنزاف داخل المناطق الكثيفة سكانيا، وتفادي الوقوع في الفخ الذي تنصبه "حماس" المتخندقة تحت الارض من اجل تكبيد الجيش ثمنا كبيرا. ففي رأي الرئيس السابق لمجلس الامن القومي يعقوب عميدرور ان العملية البرية حققت الاهداف الموضوعة لها، ولا فائدة بعد اليوم من انتشار الجيش في مناطق شديدة الاحتكاك مع "حماس"، وانه من الافضل اعادة تموضع الجيش ضمن خطوط انتشار افضل واكثر ملاءمة حتى للاعداد لعملية برية واسعة النطاق جديدة مستقبلا. فمن الخطأ في نظره بقاء الجيش في المناطق التي كان فيها وتاليا فان الانسحاب الاحادي كان خطوة صحيحة.

ورأى مدير دراسات الامن القومي عاموس يادلين ان الانسحاب الاحادي وانتشار الجيش الاسرائيلي على طول السياج الحدودي للقطاع ضمن الاراضي الفلسطينية يتيحان لاسرائيل مواصلة ضرب "حماس" واضعافها من جهة، واعطاء فرصة لوقف النار وعودة الهدوء من جهة اخرى. وكل ذلك منوط بردة فعل القيادة العسكرية لحركة "حماس" و"الجهاد الاسلامي".

سياسيا، سيساعد الانسحاب الاحادي من القطاع نتنياهو على الخروج من المأزق الذي واجهه بعد الاحداث الدامية في نهاية الاسبوع الماضي اذ كان امام خيارين: اما الرد العنيف على هجمات "حماس" بتوسيع العملية البرية، واما عدم الانجرار وراء التصعيد واختيار الانسحاب الاحادي. ويعكس قرار نتنياهو وجهة نظره السياسية منذ بداية الحرب، اي العودة الى التهدئة والى الستاتيكو الذي كان قائماً قبل الحرب الأخيرة، وعلى رغم كل الكلام الاسرائيلي عن ان الوضع الذي كان سائداً في قطاع غزة قبل 8 تموز لن يكون مثله اليوم، فان هذا لن يتحقق ما لم تنجح اسرائيل في ترجمة ما تعتبره انجازات عسكرية الى وقائع سياسية جديدة.

منذ بدء الحملة العسكرية على غزة، وضع نتنياهو اهدافاً متواضعة قابلة للتنفيذ، وشدد على توجيه ضربة قاسية الى "حماس" وتجنب الحديث عن اسقاطها، وتحدث عن اعادة الهدوء لفترة طويلة وليس عن ايجاد وقائع جديدة في القطاع. ولا تزال القيادة العسكرية الاسرائيلية مع فكرة ابقاء "حماس" عنواناً يتحمل مسؤولية ما يجري في القطاع، لأن انهيار سلطة "حماس" هو بحسب بعض المسؤولين العسكريين تحويل غزة الى صومال جديدة.

دولياً، في تقدير الاسرائيليين ان الانسحاب من طرف واحد سيساهم تخفيف حدة الانتقادات الدولية الموجهة الى اسرائيل نتيجة الخسائر الهائلة التي الحقتها بالمدنيين الفلسطينيين الابرياء، وسيحد من التراجع الذي طرأ على غطاء الشرعية الدولية المعطاة لها في بداية حملتها العسكرية. وهو من جهة أخرى يفتح الباب مجدداً أمام المقولة التي طرحتها اسرائيل منذ اشتداد المواجهات وارتفاع حجم الدمار اي مقايضة نزع سلاح "حماس" في غزة باعادة اعمارها.

ولكن على رغم كل هذه التبريرات، فان الانسحاب من طرف واحد لا يلغي عدداً من الحقائق اولاها ان المواجهة انتهت من دون حسم عسكري على رغم خسائر الجانب الفلسطيني وانعدام التكافؤ الكبير بين الطرفين المتقاتلين. كما لا يستطيع نتنياهو ان يعلن انتصاره في هذه الجولة التي لا تزال نتائجها العسكرية والسياسية غير واضحة حتى الآن. وهناك اكثر من علامة استفهام تتعلق باداء الجيش الاسرائيلي والاجهزة الاستخبارية ولاسيما منها تلك المتعلقة بحرب الانفاق. وكثيرون يتساءلون اليوم في اسرائيل لماذا لم يحضر الجيش خطة مسبقة لتدمير الانفاق اذا كان يعلم بها منذ عام 2013؟ ولماذا لم يلجأ الى وضع خطة تدميرها إلا قبل أيام فقط من العملية البرية؟ وما هدف حصر العملية البرية بتدمير الانفاق فقط؟

ما يمكن قوله اليوم إن الانسحاب الاحادي من غزة واعادة تموضع الجيش الاسرائيلي لا يعنيان ان الحرب الاسرائيلية على غزة انتهت، بل دخلت مرحلة جديدة تعيد خلالها اسرائيل درس خياراتها المختلفة تحضيراً للمرحلة المقبلة من الصراع.