قدمت دمشق نفسها أمس شريكاً أساسياً في أي ائتلاف دولي محتمل لمواجهة "الدولة الاسلامية" التي سيطرت على أجزاء واسعة من سوريا والعراق، بعد تلويح واشنطن بانها تدرس توسيع نطاق عملياتها ضد التنظيم الى داخل الأراضي السورية. وسارعت حليفتها موسكو الى تلقف العرض السوري، داعية الحكومات الغربية والعربية الى تجاوز ضغائنها حيال الرئيس السوري بشار الأسد والعمل معه للتصدي للمقاتلين المتشددين.
وانطوى المؤتمر الصحافي لوزير الخارجية السوري وليد المعلم على التعليقات العلنية الاولى للنظام السوري على التهديد الذي يمثله التنظيم المتشددد، وقد حاول اغتنام المزاج الدولي الرافض لـ"الدولة الاسلامية" للخروج من العزلة. ويبدو أنه وقّت لاستباق أي عمل عسكري غربي محتمل في سوريا. وفي واشنطن، صرّح الناطق باسم البيت الابيض جوش ارنست بان الرئيس الاميركي باراك أوباما "لم يتخذ بعد قرارا" في شأن توجيه ضربات جوية محتملة الى مواقع "الدولة الاسلامية" في سوريا.
وأعلن الجيش الأميركي أن الولايات المتحدة تجهز الخيارات العسكرية من أجل الضغط على "الدولة الإسلامية" في الأراضي السورية.
وقال الكولونيل إد توماس الناطق باسم رئيس هيئة الاركان الاميركية المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي إن الخيارات ضد "الدولة الإسلامية" لا تزال قيد الدرس، وشدد على الحاجة إلى انشاء "تحالف من الشركاء الإقليميين والأوروبيين القادرين". وأضاف أن ديمبسي "يجهز مع القيادة المركزية خيارات التعامل مع تنظيم الدولة الإسلامية في كل من العراق وسوريا عبر مجموعة من الأدوات العسكرية بما في ذلك الغارات الجوية... الخلاصة هي أن قواتنا في وضع جيد لإقامة شركة مع حلفائنا الإقليميين ضد الدولة الإسلامية".
وأكد مسؤولان أميركيان آخران تجهيز خيارات توجيه الضربات الى "الدولة الإسلامية" في الأراضي السورية. وقال أحدهما إن التخطيط للأمر جار منذ أسابيع. لكن أياً من المسؤولين لم يقل إن العمل العسكري وشيك.
ونقل توماس ديمبسي أنه لا بد من ممارسة ضغط على تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق وسوريا وأن هزيمة الجماعة تقتضي جهداً متواصلاً على مدى زمني طويل "وأكثر بكثير من (مجرد) عمل عسكري".
دمشق مستعدّة أبدت دمشق أمس استعدادها للتعاون مع المجتمع الدولي، بما فيه واشنطن، في مجال مكافحة الارهاب، لكنها حذرت من ان اية ضربة عسكرية لتنظيمات متطرفة على أرضها ستعتبر "عدوانا" إذا حصلت من دون تنسيق مسبق مع الحكومة السورية. وقت تواصل واشنطن قصف مواقع تنظيم "الدولة الاسلامية" في العراق، وبعد ايام من اعلان رئيس اركان الجيوش الاميركية الجنرال مارتن ديمبسي انه لا يمكن هزم التنظيم الجهادي المتطرف من دون استهدافه في سوريا ايضا، عقد وزير الخارجية السوري وليد المعلم مؤتمراً صحافياً في دمشق صرح فيه بأن بلاده "جاهزة للتعاون والتنسيق مع الدول الاقليمية والمجتمع الدولي من اجل مكافحة الارهاب". وعن سؤال هل تشمل هذه الجهوزية التنسيق مع الولايات المتحدة وبريطانيا، أجاب: "اهلا وسهلا بالجميع"، موضحاً ان دمشق مستعدة للتعاون "من خلال ائتلاف دولي أو إقليمي أو من خلال تعاون ثنائي". وسئل عن موقع سوريا في هذا الائتلاف، فأجاب: "من الطبيعي جغرافياً وعملياً وعملانياً، ان سوريا هي مركز هذا الائتلاف الدولي والا هل يحاربون داعش بالمناظير؟ لا بد ان يأتوا الى سوريا للتنسيق معها من اجل مكافحة داعش والنصرة اذا كانوا جادين".
وعن غارات جوية محتملة على الاراضي السورية قد يشنها الاميركيون، قال: "اننا جاهزون للتنسيق والتعاون لأننا نحن ابناء الارض ونعرف كيف تكون الغارة مجدية او عدم جدواها". ولاحظ أن من يريد المشاركة في شن هذه الغارات "لا يوجد لديه مبرر الا التنسيق معنا اذا كان راغبا في مكافحة الارهاب واي شي خارج عن ذلك هو عدوان".
وقيل له هل تسقط الدفاعات الجوية السورية طائرات اميركية اذا قصفت مواقع لتنظيم "الدولة الاسلامية" في سوريا، فقال: "لدينا اجهزة دفاع جوي. اذا لم يكن هناك تنسيق فقد نصل الى هذه المرحلة (...) نحن نعرض التعاون والتنسيق بشكل مسبق لمنع العدوان". وأضاف: "عندما يقولون إن محاربة داعش في العراق لا تكفي، لا بد من محاربتها في سوريا، نحن نقول تعالوا ننسق".
لكن المعلم شدد على أن الغارات الجوية "لا يمكن وحدها ان تقضي على تنظيمي النصرة وداعش في سوريا"، مجدداً الدعوة الى "تجفيف منابع الارهاب" و"وقف التحريض الفكري على الارهاب" و"التزام دول الجوار ضبط الحدود وتبادل المعلومات الامنية معنا"، كذلك "لا بد من وقف التمويل، لا بد من وقف التسليح".
وكشف انه بحث هاتفيا الاثنين مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في "اهمية تحرك روسيا على الساحتين الاقليمية والدولية من اجل تنسيق اقليمي ودولي لمكافحة الارهاب"، مشيرا الى "تطابق كامل في الموقفين الروسي والسوري".
وبرر انسحاب القوات السورية من مطار الطبقة في محافظة الرقة، بأن "الدفاع البطولي" للقوات المسلحة عن مطار الطبقة "ادى الى قتل العشرات بل المئات من عناصر داعش". ولكن "حرصاً على حياة الجنود" اقدمت القيادة العسكرية على "سحبهم ونقلهم الى مواقع قريبة مع العتاد والطائرات وأفرغت القاعدة من محتواها". ولفت الى ان "هذه امور تحدث في كل العمليات العسكرية في جيوش العالم".
لافروف وبالتزامن مع تصريحات المعلم، حض وزير الخارجية الروسي الحكومات الغربية والعربية على تجاوز ضغائنها حيال الرئيس السوري بشار الأسد والعمل معه للتصدي لمقاتلي "الدولة الإسلامية". وقال: "أعتقد أن سياسيي الغرب يدركون فعلاً خطر الإرهاب المتنامي السريع الانتشار... وسيتعين عليهم قريبا أن يختاروا أيهما أهم: تغيير النظام (السوري) لإرضاء ضغائن شخصية مجازفين بتدهور الوضع وخروجه عن أية سيطرة أم إيجاد سبل عملية لتوحيد الجهود في مواجهة الخطر المشترك". وذكر انه "في البداية رحب الأميركيون وبعض الأوروبيين (بـ"الدولة الإسلامية") على أساس أنها تقاتل بشار الأسد. رحبوا بها كما رحبوا بالمجاهدين الذين أنشأوا لاحقا القاعدة، ثم ارتدت ضرباتها إليهم في 11 أيلول 2001". وأيد موقف المعلم، بقوله انه إذا كانت هناك خطط "لقتال الدولة الإسلامية على أراضي سوريا ودول أخرى فلا بد أن يكون ذلك بالتنسيق مع السلطات الشرعية" هناك.
وبعد تنديد واشنطن وغيرها بروسيا لحمايتها الأسد، أعلن أن بلاده تشعر الآن بأن ساحتها برئت، قائلا: "في وقت ما صوبت إلينا الاتهامات بدعم بشار الأسد ومنع اطاحته... أما الآن فما من أحد يتحدث عن هذا"، بل ان الاميركيين والأوروبيين بدأوا الآن يعترفون "بالحقيقة التي كانوا يقرون بها في أحاديثهم الخاصة... وهي أن الخطر الأساسي على المنطقة وعلى مصالح الغرب لا يتمثل في نظام بشار الأسد وإنما في احتمال استيلاء الإرهابيين في سوريا ودول أخرى في المنطقة على السلطة".
وجاء في بيان لوزراة الخارجية الروسية أن لافروف والمعلم ناقشا في اتصال هاتفي بناء على طلب سوريا النشاطات الإرهابية المتزايدة في سوريا والعراق وتعزيز مواقف المتطرفين، وخصوصاً تنظيم "الدولة الإسلامية".
المانيا وفي برلين، صرح الناطق باسم وزارة الخارجية الالمانية مارتن شيفر بأنه ليست لالمانيا اتصالات ديبلوماسية مع حكومة الأسد، وانها تعتزم إحياء العلاقات معه بسبب التهديد الذي يمثله تنظيم "داعش". وقال: "كي نكون صادقين، من الصعب جداً تخيل إمكان تجاهل كل هذا تحت مسمى الواقعية السياسية ليقول أحد الآن إن تنظيم "داعش" أسوأ من الأسد، ومن ثم علينا الآن التعامل مع جهة ليست بمثل هذا السوء... لست على علم بأي تفكير أو نقاش يتعلق بالعمل مع نظام الرئيس الأسد، سواء في القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية أو غير ذلك. لا أعلم بأي اتصالات سياسية أو ديبلوماسية بين ألمانيا والحكومة السورية".
|