تفاعلت قضية إعلان تنظيم «داعش» عن إعدامه أحد العسكريين اللبنانيين المحتجزين لديه في الشارع لليوم الثاني على التوالي، فتحرك أهالي العسكريين المحتجزين لدى المسلحين السوريين وتظاهروا وقطعوا الطرق في الشمال والبقاع، مطالبين الحكومة والمسؤولين بالتفاوض مع الخاطفين وتلبية مطالبهم مقابل إطلاق أبنائهم. وعبّر الأهالي عن غضبهم من استمرار احتجاز أبنائهم، للضغط على الحكومة من أجل تسريع عملية التفاوض، خصوصاً أن أنباء عادت فانتشرت ليل أول من أمس بأن شريط الفيديو الذي وزع على «يوتيوب» ويُظهر عملية ذبح الجندي علي أحمد السيد علي، من بلدة فنيدق، صحيح، بعدما كانت مصادر أخرى شككت بصحته.
وتبع هذه الأنباء توزيع شريط فيديو آخر ليل الجمعة يظهر فيه 9 عسكريين تحدث بعضهم فيه مطالبين أهاليهم «بالنزول الى الشارع للضغط على الدولة من أجل التفاوض للإفراج عنا وإلا سيكون مصيرنا الذبح ضمن مهلة 3 أيام». كما طالب العسكريون الدولة بتلبية مطلب «داعش» مبادلتهم بموقوفين في سجن رومية. وفيما قالت وسائل إعلامية إن الشريط الجديد صدر عن «لواء جند الإسلام»، ظهر العسكريون وخلفهم راية كتب عليها «الدولة الإسلامية»... (في العراق وبلاد الشام) وقد أخفت رؤوسُ بعضهم وهم يتحدثون كاملَ العبارة. وزاد من غضب الأهالي أن عائلة الجندي علي السيد علي شاهدت الشريط الذي يظهر فيه مقتولاً ورجحت أن يكون صحيحاً. وانضم أهالي جندي فُقد أثناء الاشتباك المحدود الذي حصل الخميس الماضي بين الجيش ومسلحين سوريين في جرود عرسال، الى التحرك. وفيما شدد كبار المسؤولين والوزراء المعنيون مرة أخرى على سرية المفاوضات الجارية لإطلاق العسكريين، قال مصدر معني بهذه المفاوضات لـ «الحياة» إن هناك اتصالات جارية مع «جبهة النصرة»، لكن المشكلة أنه ليست هناك صلات (حتى بعد ظهر أمس) مع جماعة «داعش».
وفي ظل تقديرات بأن المسؤولين اللبنانيين يتجهون الى القبول بمبادلة العسكريين المحتجزين بموقوفين في سجن رومية طالب خاطفو العسكريين بإطلاقهم، بناء لإلحاح أهالي هؤلاء العسكريين، فإن مصادر مطلعة قالت لـ «الحياة» إن هذا الأمر يحتاج الى تقنين ووضع معايير محددة. وكان الأهالي ساقوا حججاً لتبرير التفاوض فأشاروا الى تفاوض الأميركيين مع «طالبان» في أفغانستان لتحرير جندي أميركي واحد.
وبينما قالت مصادر رسمية إن مطالب الخاطفين غير واضحة، أوضح أحد مشايخ «هيئة العلماء المسلمين» لـ «الحياة» أن جماعة «جبهة النصرة» كانوا أبلغوا الهيئة قبل أن تعلّق وساطتها، أنهم أرسلوا الى السلطات اللبنانية لائحة بأسماء الموقوفين في سجن رومية الذين يطالبون بإطلاقهم مقابل الإفراج عن العسكريين.
وأمس كرر وزير الداخلية نهاد المشنوق في تغريدة له على «تويتر» قوله إن «خاطفي العسكريين يعرضون وجود مليون ونصف مليون سوري في لبنان للخطر بسبب تصرفاتهم وتهديداتهم». وقال المشنوق إن عرسال منطقة اشتباك دائم وتحتاج الى قرارات سياسية كبيرة في شأن وجود النازحين والتعامل مع الوضع العسكري فيها. واعتبر أن عرسال بلدة محتلة.
وكان الطيران الحربي السوري قصف جرود عرسال نهار أمس، فيما أفادت أنباء بعض المواقع الإلكترونية أن منطقة القلمون السورية المحاذية لجرود عرسال تشهد احتشاد الكثير من المقاتلين.
ومساء التقى رئيس الحكومة تمام سلام، الذي ينتظر أن يزور خلال الأيام المقبلة قطر ودولة الإمارات العربية المتحدة، وفداً من أهالي العسكريين المحتجزين لدى المسلحين السوريين في حضور الوزير المشنوق. وأبلغ سلام الوفد، أن هناك خليّة وزارية برئاسته وعضوية وزراء الدفاع والخارجية والداخلية والعدل، تعمل بعيداً عن الاضواء على متابعة ملف المخطوفين، وتجري اتصالات «مع كل من يستطيع أن يساعد داخليا وخارجيا لايجاد حلّ لهذه المأساة».
وأكد أن الحكومة تبذل كل جهد ممكن من اجل الافراج عن العسكريين المحتجزين، ولا تفوّت أي فرصة ممكنة. وقال سلام «الموضوع شائك ومعركتنا مع الارهاب طويلة.
أهالي العسكريين يطالبون الدولة بالتفاوض
تصاعد امس غضب اهالي العسكريين اللبنانيين المخطوفين من نحو شهر على أيدي مسلحي «تنظيم داعش» و «جبهة النصرة» في جرود عرسال، بعدما سرت أنباء ليل اول من امس عن ان الشريط الذي يُظهر ذبح الرقيب في الجيش علي احمد السيد علي صحيح، على رغم تشكيك مصادر عسكرية في صحته. وتبع الشريط شريط آخر بُث ليل اول من امس، اظهر تسعة جنود لبنانيين من المخطوفين يناشدون اهاليهم «التحرّك والنزول إلى الشارع وقطع الطرق للضغط على الدولة للتفاوض والافراج عنهم، وإلا سيكون مصيرهم الذبح ضمن مهلة ثلاثة أيام». وناشد الجنود الدولة «تلبية مطلب «داعش» بمبادلتهم بموقوفين في سجن رومية»، وظهرت خلف الجنود لافتة حملت اسم «الدولة الاسلامية».
وعبّر الاهالي عن غضبهم بقطع مزيد من الطرق في عكار تارة وفي البقاع الشمالي تارة اخرى، وانضم الى بعض التحركات نواب من كتلة «المستقبل» النيابية ولا سيما في الشمال، في وقت شنّت الطائرات الحربية السورية غارات في جرود عرسال، مستهدفة مواقع للمسلحين. وعزز الجيش اللبناني وجوده في عرسال التي عاشت اجواء ترقب.
والتقى امس، رئيس الوزراء تمام سلام وزير الداخلية نهاد المشنوق وبحث معه في المعطيات المتعلقة بملف العسكريين المخطوفين والمفقودين. ونبه المشنوق عبر موقع «تويتر» «خاطفي العسكريين الى انهم يعرّضون وجود مليون ونصف مليون سوري بلبنان للخطر بسبب تصرفاتهم وتهديداتهم»، مؤكداً أن «الوزارة لن تبقى من المتفرجين على تعرض أي عسكري او مواطن لبناني للقتل او الذبح».
وكان المشنوق اكد ان «خبراء الجيش يواصلون البحث والتدقيق في صورة الرقيب المذبوح»، معتذراً في تصريح الى «المؤسسة اللبنانية للإرسال» من أهالي العسكريين «عن أي تقصير ربما حصل من الحكومة»، ومؤكداً أن هناك «قراراً من الحكومة بألا نترك باباً إلا ونطرقه من أجل تحرير العسكريين، ولن نترك أحداً، لا في لبنان ولا في سورية ولا في أي بلد في العالم ينام قبل إطلاق الأسرى».
وزار وفد من اهالي العسكريين مساءً سلام ورافقه نواب ورجال دين.
«هيئة العلماء»: صدمة
وأبدى احد مشايخ «هيئة العلماء المسلمين» من الذين شاركوا في المفاوضات مع الخاطفين قبل تعليق وساطتها، «صدمته من الشريط الاول ثم الثاني»، وقال لـ «الحياة»: «ان تنظيم داعش كان اقر بأن لديه 12 عسكرياً بينهم جثة الجندي علي العلي، واذا صح شريط ذبح السيد علي فإن لدى داعش 10 جنود فلماذا اظهروا 9 فقط؟».
وأشار الى ان «جبهة النصرة» كانت اعترفت بوجود 3 جنود لديها من الجيش اللبناني و15 عنصراً من قوى الامن الداخلي، مشيراً الى ان الجبهة «كانت متعاونة جداً مع الوساطة»، لكنها لا تؤثر في مسلحي «داعش»، فجرود عرسال شاسعة وكل طرف يتمركز في واد».
ووصف الوضع بأنه «حساس واذا صح ارتكاب القتل بحق الرقيب فإنه امر مدان بكل المقاييس». وكشف ان الهيئة ابلغت الدولة امس، عبر طرق معينة، بأنه «اذا كنتم ترون طريقة لنتحرك بها فإننا لا نمانع. وكل ما نفعله الآن طمأنة الأهالي، وحسبي الله ونعم الوكيل».
وأضاف ان الهيئة منشغلة يومياً بـ «إطفاء حرائق»، مشيراً الى «تعاون الجيش وقيادته وكل الاجهزة الامنية في مسألة التروي في شن مداهمات قد تصل اصداؤها الى الخاطفين، لكن على الارض الامور تختلف»، محذراً من «ان الامور حين تأخذ منحى الدم فإن صوت الاعتدال يضيع».
وكان رئيس بلدية عرسال علي الحجيري اكد «اننا ومعنا النازحون السوريون نرفع الغطاء عن كل المسلحين، حتى أننا مستعدون لمحاربتهم ومنعهم من تنفيذ مخططاتهم»، معرباً في تصريح الى الوكالة «المركزية» عن خشيته من «توريط الجيش في معركة، لأن بعض الفرقاء لا مصلحة له في الهدوء بل في الفوضى، لتبرير مواقفهم ونشاطاتهم، ونحن نحذر من توريط الجيش».
وبين البقاع والشمال، توزعت حركة أهالي العسكريين الاحتجاجية، فقطعوا طرقاً ونصبوا خيماً مطالبين بتحرير أبنائهم بأي ثمن، «حتى لو كلف الامر اطلاق موقوفين في سجن رومية». ودعوا الى «تزخيم المفاوضات»، ملوّحين بالتصعيد.
الأهالي المفجوعون
ونصب أبناء فنيدق وتكريت ومشحة في عكار خيمة على اوتوستراد العبدة عند مفرق المحمرة «الى حين تحرير ابنائهم المخطوفين»، مؤكدين أن لا تراجع عن هذا القرار قبل ايجاد الحل السريع لهذا الملف الانساني».
وتفقد الاهالي النائبان خالد زهرمان ومعين المرعبي اللذان استمعا الى مطالبهم، وأسف الأول «لأن الخاطفين جدّيون في تهديداتهم»، وقال: نزلنا الى جانب الناس بعدما تركنا الحكومة تتابع الملف، لكن بعد الذي حصل امس (شريط الذبح)، فإن المطلوب تشكيل خلية طوارئ للدفاع عمن كانوا يدافعون عنا في عرسال. الاهالي يعتبروننا مقصرين، لذلك نحن الى جانبهم».
وأكد ذوو الرقيب علي السيد أنهم شاهدوا فيديو يثبت أن ابنهم ذبح، معتبرين أنه «ظلم ثلاث مرات: في الخطف وفي تخوينه عند بث اشاعات عن انشقاقه، وفي الذبح»، مؤكدين ان «الفاجعة كبيرة». وسأل الاهل وسط بكاء الأم الثكلى والاطفال: «هل الهيبة تأتي فقط على حساب دمائنا، فتعلن الدولة انها لن تفاوض الخاطفين؟».
وأعيد فتح الطريق لاحقاً، وعادت حركة السير الى طبيعتها انما بقيت الخيمة في مكانها.
وفي البقاع، قطع أهالي العسكريين الطريق الدولية في ساحة بلدة اللبوة لبعض الوقت، وطريق رياق - بعلبك الدولية بالاتجاهين امام فصيلة درك طليا، وناشدوا أبناء عرسال مساعدتهم في الافراج عن أولادهم، وأعلن بعضهم «ان العسكريين موجودون في عرسال لدى «أبو طاقية» (الشيخ مصطفى الحجيري)، فيما هدد آخرون سكان عرسال بخطفهم اذا لم يساهموا في اطلاق المخطوفين، لكنهم أكدوا ان «لا ذلّ في التفاوض، فهذا أفضل من ذبح أبنائنا».
وفي البداوي، قطع أهالي الجندي يحيى خضر الذي فقد إثر المكمن الذي تعرض له الجيش في منطقة الرهوة في جرود عرسال قبل يومين، الطريق مطالبين بكشف مصير ابنهم. وقالت والدته انها تريد ان تعرف ما اذا كان «حياً او ميتاً».
مواقف
وكان وزير الزراعة اكرم شهيب اعتبر في كلمة باسم رئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» النائب وليد جنبلاط ان «قضية عرسال جرح مفتوح لم ينته ونستطيع ان نواجه في عرسال كما واجهنا التفجيرات الامنية الارهابية بالامن الوقائي»، مؤكداً ان «لا خطوط حمراً أمام الجيش والقوى الامنية، والأمر يتطلب وحدة الشعب كما وقفنا ايام نهر البارد». وطمأن الى ان الدولة تتعامل مع ملف العسكريين «بدقة وسرية».
واعتبر عضو كتلة «المستقبل» النيابية جان أوغاسبيان أن «حزب الله دخل الى سورية بحجة محاربة الإرهاب، وإذ به ينقل الارهاب الى الداخل اللبناني، فوضعنا في وضعية إما أن نكون مع «حزب الله» أو أن نكون مع «داعش»، لكننا في «تيار المستقبل» لسنا مع «حزب الله» ولسنا مع «داعش»، نحن مع الدولة ومع لبنان التنوع والتعايش». وسأل: «ماذا كان المطلوب من الجيش؟ أن يدمر عرسال؟ أن يقصف 70 ألف لاجئ سوري؟ أن يدخل في معركة لتدمير الجيش ولبنان؟»، لافتاً الى أن «ما يفعله الجيش في عرسال هو عين الصواب».
اما عضو الكتلة هادي حبيش فطالب الدولة والحكومة بـ «تكثيف الجهود، مهما كلف الامر، من اجل اطلاق العسكريين لأن أمن العسكريين وكرامتهم من كرامة كل مواطن لبناني ومن كرامة الوطن».
وأكد عضو الكتلة زياد القادري أن «هناك جدية لدى المسؤولين في التعامل مع هذا الامر وطرق كل الابواب المستطاعة كي نصل الى نهاية سعيدة، وهناك كلام عن تنسيق مع الدولة اللبنانية وأيضاً اللواء عباس ابراهيم يقوم بدور مهم لاستعادة أسرانا».
وعبر عضو تكتل «التغيير والاصلاح» النيابي غسان مخيبر عن تعاطفه وتضامنه «الكاملين مع اهالي العسكريين»، ودعا الدولة الى «العمل لتحريرهم سالمين بكل الوسائل المتاحة، وكذلك الى التعامل بحزم لتحرير الأراضي اللبنانية من هذا العدوان والاحتلال الخطير لمجموعات الإرهاب الظلامية».
|