التاريخ: آذار ١, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
نظام القذافي يعلن إرسال موفد الى بنغازي ويلوح بالقوة "إذا أخفق الحوار"
قمع تظاهرات في طرابلس وكرّ وفرّ في مصراتة وتأهب في الزاوية "المحررة"

دخلت الثورة الليبية مرحلة الاستنزاف، مع محاولة النظام تحصين مواقعه في طرابلس والمدن المجاورة ، تدعمه القوى الامنية والميليشيات المسلحة، وسعي الثوار ، تدعمهم وحدات متمردة من الجيش، الى الدفاع عن المدن التي باتت تحت سيطرتهم والتي تشمل كل الشرق تقريباً وأكثر البنى التحتية النفطية في البلاد وبعض المدن في الغرب. وفيما بات مصير الخطوة التالية رهناً بالفريق الذي يظهر قدرة على الصمود أكثر، تحرك الغرب المحرر لارسال أولى مساعداته الى الثوار في شرق ليبيا، أملاً في اكسابهم زخماً لاطاحة نظام العقيد معمر القذافي الذي قمع أمس احتجاجات جديدة في طرابلس حاول الاخير نفي حصولها أمام مراسلين أجانب دعاهم لمعاينة العاصمة "الهادئة"، مصراً على أن "شعبي يحبني"، واتهم الدول الغربية بالتخلي عن حكومته في المواجهة التي تخوضها ضد "إرهابيين".
ففي مقابلة مع شبكة "اي بي سي" الاميركية للتلفزيون أجرتها كريستيان أمانبور، قال إنه مندهش من أنه بينما تتحالف ليبيا مع الغرب في الحرب ضد تنظيم "القاعدة"، قد يتخلى الغرب عن ليبيا في حربها "ضد الإرهابيين".


ووصف الرئيس الأميركي باراك أوباما بانه "رجل طيب"، ولكن يبدو أنه ضُلِّل في شأن الوضع في ليبيا، معتبرا أن التصريحات التي سمعها منه لابد أن تكون جاءت من آخرين. وشدد على أن الولايات المتحدة ليست الشرطة الدولية في العالم.
الى ذلك، لم يتوان عن القول إن "شعبي يحبني ومستعد للموت من اجل حمايتي". ورفض الاعتراف بأن تظاهرات جرت في شوارع طرابلس.
وشاركت هيئة الاذاعة البريطانية "بي بي سي" وصحيفة "التايمس" البريطانية ايضاً في المقابلة.


لكن الهدوء الذي تحدث عنه الزعيم الليبي ناقضته روايات الشهود وتقرير لمراسل "رويترز" الذي يزور طرابلس في عداد وفد المراسلين الاجانب.
وروى المراسل أن مسلحين موالين للقذافي أطلقوا النار في الهواء لتفريق نحو 400 شخص، حاولوا الخروج في تظاهرة بعد تشييعهم شخصاً قتل بالرصاص الاسبوع الماضي، وأطلقوا شعارات مناهضة للنظام، ولوحوا بالعلم الاخضر والاسود والاحمر الذي صار رمزاً للثورة.وبعد دقائق، وصلت الى المكان سيارات جيب فيها مسلحون يلفون عصبا خضراء حول رؤوسهم، وأطلقوا النار في الهواء لفض الاحتجاج.
وظهر رسم على أحد الجدران في الميدان الذي تجمع فيه المتظاهرون وتحته عبارة :"اللعبة انتهت"، في تقليد للشعارات التي استخدمت في احتجاجات في مصر وتونس المجاورتين.
وحلقت طائرة هليكوبتر عسكرية فوق المكان، فيما انتشرت سيارات لعدد اكبر من قوى الامن في الشوارع القريبة.
وقال اثنان من السكان أن اربعة محتجين قتلوا لدى مشاركتهم في مسيرة مشابهة مساء الاحد.


وأعلن "شباب انتفاضة طرابلس" في بيانهم الأول، استمرار "النضال" الى حين "إسقاط النظام"، ورفضهم التفاوض معه، مؤيدين المساعي لتأليف مجلس وطني موقت، ودعوا إلى وقفة احتجاجية عقب صلاة الجمعة المقبلة في كل مساجد البلاد. ومنذ الجمعة الماضي، شهدت طرابلس هدوءا نسبياً، وخصوصاً مع وصول صحافيين أجانب دعاهم النظام الى معاينة المدينة.
ووقف السكان صفوفاً طويلة أمام المصارف أمس في انتظار حصولهم على ما يعادل 400 دولار وعد القذافي بها كل عائلة لحشد الدعم لنظامه. واشتكى سكان من ارتفاع قياسي لأسعار المواد الغذائية نتيجة الازمة.
وروت امرأة أن اسعار السلع الاستهلاكية شهدت ارتفاعاً كبيراً، وأن سعر الارز مثلاً زاد بنسبة 500 في المئة، ليبلغ 40 دولاراً لكيس يزن خمسة كيلوغرامات.
وأعادت المدارس فتح أبوابها نصف نهار، إلا أن الحضور كان ضعيفاً.

الزاوية وسبراطة ومصراتة
أما في مدينتي الزاوية ومصراتة اللتين سيطرت عليهما المعارضة، فيواجه الثوار هجمات من ميليشيات النظام التي تحاول استعادة المدينتين.
وفيما تحدث مراسل "الاسوشيتد برس" عن قوة كبيرة موالية للقذافي على المشارف الغربية للزاوية، على مسافة 50 كيلومتراً غرب طرابلس، مع نحو 12 آلية مدرعة ودبابات وسيارات جيب عليها رشاشات مضادة للطيران، قال ثوار إنهم يستعدون لمواجهة هجوم مضاد بعدما تمكنوا الاحد من السيطرة على المدينة.

وقال الصحافي بيرم عمر لـ"الجزيرة" من مدينة الزاوية إن وحدات من الكتائب الموالية للنظام الليبي ترابط على مشارف المدينة، محذراً من أنها إذا اقتحمت المدينة فسوف يؤدي ذلك إلى إبادة جماعية. وأشار الى أن الأهالي متعاطفون مع الثوار الذين يملكون الكثير من دبابات الجيش والمدافع والأسلحة الخفيفة.
وقال رائد منشق في الشرطة إن أكثر من ألفين من رجال الشرطة انشقوا عن نظام القذافي، وإنهم مستعدون للدفاع عن الزاوية.

والى الغرب أكثر، أكد مناصرون للقذافي أنهم يسيطرون على سبراطة، على مسافة 65 كيلومتراً غرب طرابلس، التي شهدت كراً وفراً بين الجانبين الاسبوع الماضي.
وقال شهود إن محتجين أضرموا النار في مركز للشرطة، قبل أن يفرقوا. وكتبت على الجدران شعارات مناوئة للنظام، منها:"ليسقط عدو الحرية"، "ليبيا حرة، على القذافي الرحيل"، الا أن السكان كانوا يحاولون محوها.
وفي مصراتة الواقعة على مسافة 150 كيلومتراً شرق طرابلس، نقلت وكالة "رويترز" عن شاهد أن المتظاهرين صدوا هجوماً لقوات موالية للحكومة قرب المدينة، وأسقطوا طائرة عسكرية واحتجزوا طاقمها بينما كانت تطلق النار على محطة إذاعة محلية لاسكاتها.


وقال إن القتال للسيطرة على قاعدة عسكرية قرب مصراتة بدأ ليل الاحد-الاثنين بين المتظاهرين وقوات القذافي التي تسيطر فقط على جزء صغير من القاعدة.
وأكد الناشط مفتاح عبد الحميد لقناة "الجزيرة" الفضائية أن المدينة لا تزال تحت سيطرة الثوار منذ أيام، وأن الإذاعة المحلية التي يبلغ مداها نحو مئة كيلومتر تبث برامج مؤيدة للثورة. وأشار الى أن عشرات المقاتلين وصلوا من الشرق في الايام الاخيرة لدعم الثورة.
وفي أجدابيا، على مسافة 750 كيلومتراً شرق طرابلس، تحدث شهود عن اغارة مقاتلات لسلاح الجو الليبي التابع للنظام على مخزن للذخيرة سيطر عليه الثوار.


وتحدث أحد السكان عن انفجارات متقطعة وحريق، وقال آخر إن المنشآت دمرت جزئياً، علماً أنها تتضمن قنابل وصواريخ وذخيرة ضرورية للقوات العسكرية للمعارضة غير المسلحة تسليحاً كافياً.
الا ان السلطات الليبية نفت ذلك. وبث التلفزيون الليبي الرسمي ان "مصادر اللجنة العامة الموقتة للدفاع (هيئة تعادل وزارة الدفاع) تفند مزاعم وكالة الصحافة الفرنسية بان سلاح الجو الليبي شن غارات جوية على مخازن ذخيرة في اجدابيا والرجمة".
وينكب المعارضون في الشرق على تعزيز قبضتهم على المنطقة، بما فيها بنغازي، ثانية كبرى مدن البلاد، التي انطلقت منها الثورة. وأنشأ سياسيون الاحد مجلساً انتقالياً، في خطوة نحو اقامة ما يمكن أن يكون بديلاً من نظام القذافي.

موفد الى بنغازي
ونسبت "رويترز" الى مسؤول حكومي ليبي ان الحكومة ستوفد مبعوثا الى بنغازي، معه شحنة من المعونة الانسانية، بما فيها" ادوية واغذية ومعدات طبية لمساعدة الاهالي ".
وقبل ذلك، بثت قناة "الجزيرة" الفضائية القطرية أن القذافي كلف رئيس المخابرات الخارجية الليبي بوزيد دوردة التحدث مع قيادة المنطقة الشرقية التي لم تعد خاضعة لسيطرته.
وتزامن ذلك، مع تصريح نائب أمين اللجنة الشعبية للمكتب الشعبي للاتصال الخارجي والتعاون الدولي خالد الكعيم بأن ليبيا ستجرب الحوار مع المدن المتمردة، قبل ان تلجأ الى استخدام القوة، محذراً من انه اذا استنفدت كل محاولات وجهود الحوار ستستخدم قوة موجهة بدقة وفقا للقواعد الدولية.

إقالة السنوسي؟
وفي خطوة لافتة، نشرت صحيفة "قورينا" الليبية المعارضة ان الزعيم الليبي أقال رئيس جهاز المخابرات عبد الله السنوسي الذي "يعد اليد اليمنى للقذافي في إحكام السيطرة الأمنية على البلاد، وهو من أبرز الشخصيات التي تدخلت في قمع التظاهرات المطالبة باسقاط النظام".
ونسبت الى "مصادر مطلعة" ان القذافي "أقال رئيس جهاز المخابرات الحالي العميد عبد الله السنوسي، وتولى مهماته بدلا منه منصور ضوء القحصي أحد الحراس الشخصيين للقذافي". وذكرت بأن السنوسي تولى مهمات أمنية حساسة، بينها قيادة جهاز الأمن الخارجي والاستخبارات العسكرية والكتيبة وهي الجهاز المكلف حماية القذافي، وبات يمثل الوجه القمعي للنظام داخل البلاد"، كما أنه" عديل القذافي، ويتحدر من قبيلة المقارحة، وهو المسؤول عن تنفيذ مجزرة سجن أبو سليم في طرابلس في 29 حزيران 1996 التي قتل فيها قرابة 1200 معتقل بالرصاص، وكان ذلك ردا على احتجاجهم على ظروفهم السيئة داخل السجن، والذين يتحدر معظمهم من بنغازي". ويمضي سيف الاسلام في تقليل أهمية الانتفاضة، قائلا إن الوضع لا يزال تحت السيطرة، ومتحدثا عن "فجوة كبيرة بين الواقع والتقارير الإعلامية". وقال: "كل الجنوب هادئ. الغرب هادئ. الوسط هادئ وحتى قسم من الشرق".
وانضم السفير الليبي في بريتوريا عبدالله الزبيدي الى سلسلة الديبلوماسيين المنشقين عن نظام القذافي، ودعا الزعيم الليبي الى التنحي "والتوقف عن قتل ابرياء".

نفط
وبعدما صرح المفوض الاوروبي للطاقة غونتر اوتنغر بان أكثر حقول النفط في البلاد باتت "تحت سيطرة قبائل وقوات تسلمت السلطة"، اعلن مسؤول في اللجنة المحلية المعارضة في مدينة طبرق ان المعارضة الليبية تستعد للاشراف على معاودة تصدير النفط من شرق ليبيا بتعبئة ناقلة نفط متوجهة الى الصين.
وستكون هذه الشحنة الاولى من النفط الخام تخرج من ليبيا منذ 19 شباط، اي بعدما بدأت قوى الامن الليبية حملة قمع للاحتجاجات في شرق ليبيا.
(و ص ف، رويترز، أ ب، أ ش أ، ي ب أ)