التاريخ: آذار ٢, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
لبنان: بيان تضامني مع الشعوب الثائرة "يفخر بإسقاط قيود كبلتها عقوداً"

تلقت "النهار" بيان "تضامن مع الشعوب العربية الثائرة" يحمل زهاء 165 توقيعاً  من الجنسين، بين ناقد وكاتب وأستاذ جامعي ونقابي ومفكر وطبيب ومهندس ومحام وباحث وناشط وصحافي واعلامي وفنان، جاء فيه:


"يعبر شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" الذي تهدر به الشعوب العربية من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، عن عمق اللحظة التاريخية التي نعيشها. فإسقاط النظام هو اسقاط لمصادرة الكرامة المواطنية والتمثيل السياسي والحريات الأساسية والحق في التعبير الحر. كما ان إسقاط النظام يعني وضع حد لنهب الثروات الوطنية وانتشار الفساد الذي تتعهده رأسماليات عربية ريعية بنت نظمها على استغلال كثيف لقوة العمل وعلى إشاعة أعلى معدلات البطالة عالميًا، وعلى تخلف أو انعدام نظم الحماية الإجتماعية، اضافة إلى الإنتهاك المزمن لحقوق المرأة والتهميش المتمادي للشباب ولتطلعاتهم. واسقاط النظام يعني أيضًا الإعتراض الحازم على نهج التنازلات عن الحقوق الوطنية والقومية التي اعتمدها النظام العربي مرتكزًا رئيسياً لسياساته الدولية والإقليمية وبالأخص إزاء التحالف الأميركي – الإسرائيلي.


وإذا كانت تونس قد شكلت نقطة انطلاق الإنتفاضة الهادرة، فقد شحنتها ثورة مصر بمقومات  الترسخ والصلابة والإنتشار. وفي الحالين معًا كان بارزًا حضور الشباب الغامر من مختلف الفئات الإجتماعية والمهنية. وكانت مشاركة النساء والعمال والمستخدمين والمهنيين والفلاحين والعاطلين عن العمل علامة فارقة في تكوين جمهور الثورة وفي جذرية مطالبها.
وفي حمأة هذا الإنفجار الكاسح لم يعد ينفع أصحاب الأنظمة تقديم تنازلات جزئية أو وعود لم تثمر في ما مضى بهدف تأخيرانتشار  النار. ومصداقاً لذلك سرعان ما انتشرت نار الثورة في عموم ليبيا على نحوٍ غير مسبوقٍ استعاراً ودموية، كما انتشرت، على وجه السرعة، في اليمن والبحرين.


إن الشعوب العربية تخوض، انطلاقًا من أوضاعها الخاصة الملموسة، مواجهة مزدوجة: فهي تبادر  إلى إسقاط أنظمتها الإستبدادية من جهة وهي من جهة ثانية توجِّه ضربة موجعة الى النظرية الثقافوية القائلة بـ"استثنائية المجتمعات العربية العصية على التغيير الديموقراطي". وتقوم الشعوب العربية بتجربتها الرائدة هذه في أقسى الظروف. فالأنظمة التي تتساقط أو تلجأ الى مساومات تراجعية لم تترك للحياة السياسية الحرة أي فسحة تسمح بتشكل مناخ للمعارضة السلمية وبإنتاج مشاريع بديلة. وهكذا تجد الشعوب هذه نفسها أمام مهمة جلل تتمثل في خلق قيادات جديدة وبلورة مشاريع سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية جذرية بأسرع مما تحتمله شروط المواجهة مع الأنظمة المترنحة أو بقاياها المعاندة.


إن هذا السياق يبرز الأهمية الإستثنائية للثقافة النقدية التي من شأنها أن تدحض المقولات اللاتاريخية المتهافتة التي تقارب المجتمعات العربية بصفتها مجتمعات راكدة وعصية على التغيير.
إن الموقعين على هذا البيان التضامني يعلنون، على اختلاف مشاربهم السياسية ومواقعهم الإجتماعية والمهنية وميولهم الفكرية، اعتزازهم الكبير بوقفة الشعوب العربية التاريخية التي تسقط القيود التي كبلت حركتها مدى عقود طويلة، ومنعت عنها قسرًا رياح التغيير والتعبير الحر والديموقراطية. كما يؤكد الموقعون، وهم يعملون في وطنهم لبنان لنظام ديموقراطي ومدني، حق هذه الشعوب في اختيار البديل السياسي والإجتماعي بملء إرادتها وبكامل حريتها بعيدًا من أي محاولة استيعاب أو مصادرة من القوى التي شكلت ولا تزال تشكل، رديفاً للنظم التي تتهاوى تحت وطأة إرادة التغيير الكاسحة.
إن الشعوب العربية في لحظتها التاريخية الحالية تستعيد أجمل لحظات النهوض العربي وتخط بملء اختيارها مسارًا تغييرياً أسقط في الآن عينه دور "القائد الملهم" و"النماذج التحضيرية" للتدخل الإجتياحي الخارجي".