التاريخ: شباط ٢٣, ٢٠١٥
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
عَرْض قوة تركي في شمال سوريا 572 جندياً نقلوا رفات جدّّ العثمانيين ودمشق وصفتها بأنها "عدوان سافر"
في أوسع توغل بري تركي في الاراضي السورية منذ نشوب الحرب في سوريا قبل أربع سنوات، نقل نحو 572 جنديا تركيا، معززين بنحو مئة دبابة وعربة مدرعة وطائرات مقاتلة وطائرات استطلاع، ليل السبت ضريح سليمان شاه جد مؤسس السلطنة العثمانية عثمان الاول مع حراسه الـ38، من شمال حلب الى منطقة أشمة السورية على مسافة 200 متر من الحدود التركية. واكدت أنقرة انها لم تستأذن أحداً لتنفيذ العملية التي وصفتها دمشق بأنها "عدوان سافر" على الاراضي السورية، واعتبرتها ايران "غير مبررة" وتهدد الاستقرار في المنطقة. وهنأ الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الجيش بـ"نجاح" العملية قائلاً ان "علمنا سيظل يرفرف في مكانه الجديد من أجل الحفاظ على ذكرى أجدادنا". 

وتقع المنطقة التي نفذت فيها العملية العسكرية على مسافة 35 كيلومتراً عن الحدود التركية ويسيطر عليها تنظيم "الدولة الاسلامية" (داعش) الذي كان هدد في وقت سابق بنسف الضريح مما استدعى من أنقرة تحذيرا شديد اللهجة من التعرض له. وفي خطوة ذات مغزى، عبرت القوات التركية الى الاراضي السورية من مدينة عين العرب (كوباني بالكردية) السورية الحدودية التي كان يحاصرها التنظيم الجهادي قبل ان ينسحب منها تحت ضغط المقاتلين الاكراد والغارات الجوية للائتلاف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.

ومعلوم ان تركيا ترفض اقامة اي كيان سياسي كردي على حدودها الجنوبية وهي لا تشارك في الغارات الجوية للائتلاف، وتدعو عوض ذلك الى اطاحة نظام الرئيس السوري بشار الاسد، وتطالب باقامة منطقة عازلة داخل الاراضي السورية لاستيعاب اللاجئين السوريين وتوفير ملاذ آمن للمعارضة السورية. والجمعة وقعت انقرة وواشنطن اتفاقاً لتدريب عناصر من المعارضة السورية المعتدلة على الاراضي التركية اعتباراً من الشهر المقبل من أجل ملء الفراغ بعد انسحاب "داعش" من اراض سورية تحت وطأة الغارات الجوية للائتلاف، لكن تركيا لا تخفي انها تريد من مقاتلي المعارضة شن هجمات على الجيش السوري النظامي ايضاً.

وحصل التوغل التركي بعد ايام من هجوم الجيش السوري النظامي ومقاتلين حلفاء له على قرى في ريف حلب الشمالي من أجل قطع الطريق بين الحدود التركية ومناطق سيطرة المعارضة داخل عدد من احياء حلب وفك الحصار عن بلدتي نبل والزهراء الشيعيتين المحاصرتين. لكن هجوم الجيش السوري انتهى الى الفشل بعد شن مقاتلي المعارضة هجوماً مضاداً.

وصرح رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو في مؤتمر صحافي بأن تركيا لم تطلب إذنا ولا مساعدة في المهمة، لكنها أبلغت حلفاء في الائتلاف الدولي ضد "داعش" بمجرد بدء العملية. وقال وإلى جواره قائد الجيش ووزير الدفاع: "كانت عملية ناجحة للغاية ولم نفقد أيا من حقوقنا بموجب القانون الدولي". وقال ان مباني الضريح قد نسفت بعد نقل الرفات . واطلق على العملية الاسم الرمزي "شاه فرات".

وأفاد وزير الخارجية التركي مولود جاويش اوغلو ان انقرة ابلغت سوريا قبل العملية انها تريد نقل الضريح موقتاً وانها ستعود الى المنطقة عندما تكون "مستعدة" لذلك. وأكد: "إننا لا نستأذن احداً، لقد قمنا بذلك بمبادرة منا".
لكن المعارضة التركية انتقدت العملية. وقال الامين العام لحزب الشعب الجمهوري غورسيل تكين: "للمرة الاولى في تاريخ الجمهورية التركية نخسر اراضينا من دون قتال، انه امر غير مقبول".

واتصل وزير الخارجية الاميركي جون كيري الذي كان في زيارة للندن بنظيره التركي لتقديم التعازي بمقتل جندي تركي خلال العملية العسكرية. واعلنت وزارة الخارجية الاميركية ان الولايات المتحدة وتركيا هما على اتصال وفي تنسيق مستمر حيال التطورات في سوريا بما في ذلك تبادل المعلومات الاستخبارية.
وأعلنت وزارة الخارجية السورية أن الحكومة التركية أبلغت القنصلية السورية في اسطنبول العملية، لكنها لم تنتظر موافقة سوريا.
وأورد المكتب الاعلامي لـ"الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" ان الحكومة التركية ابلغت الائتلاف العملية.

ورأى مساعد وزير الخارجية الايراني للشؤون العربية والافريقية حسين أمير عبد اللهيان ان "التدخل العسكري لدول الجوار في سوريا غير مبرر ويهدد الأمن والاستقرار في المنطقة".

وانتقدت الناطقة باسم وزارة الخارجیة الإیرانیة مرضية افخم صمت الأمم المتحدة حيال مسألة تسليح وتدريب المعارضة المعتدلة، وقالت ان ذلك يتناقض مع تطبیق خطة تجمید الاشتباکات في حلب. وأكدت أن الإجراء الجدي في المسألة هو تجفيف الموارد المالیة واللوجستیة للإرهاب ووقف إرسال السلاح والقوی المسلحة إلی داخل سوریا.

ويقع الضريح على ضفة نهر الفرات ويعتبر ارضا تركية منذ توقيع معاهدة بين فرنسا التي كانت تحتل هذه الاراضي وتركيا عام 1921. وعام 1973 نقل الضريح شمالا بسبب بناء سد لكن الملكية بقيت على وضعها.

دمشق تندد
وبعد ساعات من التوغل التركي، بث التلفزيون السوري بيانا أصدرته وزارة الخارجية السورية وجاء فيه: "صرح مصدر رسمي في وزارة الخارجية والمغتربين بما يلي: تركيا لم تكتف بتقديم كل أشكال الدعم لأدواتها من عصابات داعش والنصرة وغيرهما من التنظيمات الإرهابية المرتبطة بتنظيم القاعدة بل قامت فجر اليوم (أمس) بعدوان سافر على الأراضي السورية. وبالرغم من قيام وزارة الخارجية التركية بإبلاغ القنصلية السورية في اسطنبول عشية هذا العدوان نيتها نقل ضريح سليمان شاه إلى مكان آخر، إلا أنها لم تنتظر موافقة الجانب السوري على ذلك كما جرت العادة وفقا للاتفاق الموقع عام 1921 بين تركيا وسلطة الاحتلال الفرنسي آنذاك".
 
تقدم كردي
وفي تطورات ميدانية أخرى، افاد "المرصد السوري لحقوق الانسان" الذي يتخذ لندن مقراً له ان "وحدات حماية الشعب" الكردية سيطرت على نحو 20 قرية وتجمعا سكنيا في محافظة الحسكة بشمال شرق سوريا بعد معارك عنيفة مع "داعش".
وحصلت العملية بتنسيق واضح مع الائتلاف الدولي الذي يشن غارات جوية على مواقع التنظيم الجهادي في سوريا والعراق.

وقال المرصد ان "وحدات حماية الشعب" شنت بعد منتصف ليل السبت هجوما في ريف بلدة تل حميس جنوب مدينة القامشلي على مواقع لـ"داعش" و"تمكنت من التقدم والسيطرة على نحو 20 قرية ومزرعة وتجمعا سكنيا في محيط منطقة أبو قصايب".
 
تفجير القرداحة
من جهة أخرى، تبين ان الانفجار الذي دوى السبت في وسط مدينة القرداحة في ريف اللاذقية، مسقط راس عائلة الرئيس السوري بشار الاسد، نجم عن عملية انتحارية قام بها رجل يقود سيارة مدنية يرافقه شخص آخر قتل ايضا. وهو الانفجار الاول من نوعه في القرداحة منذ نشوب النزاع السوري. وقد اسفر عن مقتل اربعة اشخاص واصابة آخرين بجروح.
واكد التلفزيون السوري الرسمي حصول "تفجير ارهابي بسيارة مفخخة في مرأب المشفى".

وفي ريف حلب الشمالي، هدأت الاشتباكات التي كانت بدأت الثلثاء اثر هجوم لقوات النظام على عدد من القرى والبلدات الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة في محاولة لقطع طريق الامداد على الفصائل المقاتلة الموجودة في الاحياء الشرقية لحلب، وفك الحصار عن بلدتي نبل والزهراء الشيعيتين في المنطقة.
ولا تزال قوات النظام تحتفظ ببلدة باشكوي الصغيرة، الا انها خسرت في المقابل منطقة مزارع الملاح الواسعة التي كان لها وجود في اجزاء كبيرة منها منذ اشهر.

وأورد المرصد ان معارك حلب الاخيرة ادت الى مقتل 152 عنصرا من قوات النظام والمسلحين الموالين لها وهم من جنسيات سورية ولبنانية وعربية وافغانية وايرانية. وكان تحدث في وقت سابق عن مقتل 116 مقاتلا من فصائل المعارضة.