التاريخ: آذار ٩, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
قتيل في اشتباكات طائفية بمصر وتأييد الحكم بتجميد أموال مبارك

القاهرة – من جمال فهمي:
قليلون في مصر الذين يمكنهم هذه الايام ان يرتاحوا ويستقروا على نوع واحد من المشاعر ويفلتوا من حال الحيرة والتوزع بين شعور بالفرح والارتياح لتوالي انجازات الثورة الشعبية العارمة التي اطاحت الشهر الماضي الرئيس حسني مبارك ونظامه وان تكن تتحقق ببطء و"بالقطعة"، واحساس مضاد بالاضطراب والقلق من مظاهر ومنغصات شتى لا يكاد يمر يوم واحد من غير ان تقتحم المشهد السياسي والاجتماعي الذي خلفته تلك الثورة النادرة في هذا البلد.


واحداث اليومين الاخيرين بدت نموذجا لهذا التنازع بين الانباء السارة و"المؤسفة"، فأمس – مثلا – وبينما كانت احدى محاكم الجنايات في القاهرة تحكم بتأييد قرار سابق للنائب العام بالتحفظ على اموال (تبلغ مئات الملايين من الدولارات) مبارك وزوجته سوزان ونجليه علاء وجمال وممتلكاتهم في مصر ومنعهم من مغادرة البلاد تحسبا لثبوت تهمة تكديس ثروات طائلة بطرق غير مشروعة في حقهم، وفيما اصدرت محكمة اخرى قراراً مماثلاً في حق عدد من المسؤولين الكبار السابقين بينهم رئيس الوزراء السابق احمد نظيف واسرته، تواصل واتسع حجم التظاهر والاعتصام الغاضب الذي ينفذه منذ الجمعة الماضي الاف من المواطنين المسيحيين منذ مساء الجمعة الماضي امام مبنى التلفزيون الحكومي في قلب العاصمة، احتجاجاً على قيام متطرفين مسلمين ينتمون الى ما يسمى "الجماعة السلفية"، التي تأسست في رعاية الاجهزة الامنية في عهد الرئيس السابق باعتداء وهدم تدريجي (غير مسبوق) لكنيسة الشهيدين في قرية صول بمحافظة حلوان، على التخوم الجنوبية للقاهرة، مستغلين شائعة عن علاقة عاطفية تربط فتاة مسلمة بشاب مسيحي ادت الى شجار بين افراد من اسرة الفتاة سقط ضحيته والدها وابن عمها.


وكان أول من أمس شهد ايضا تناقضا بين الاخبار المفرحة والمحزنة، اذ طغت على خبر اعلان رئيس الوزراء الجديد عصام شرف رسميا تشكيلة حكومة "مطهرة" تماما من الوجوه القديمة التي ظلت تثير غضب الناس باعتبارها من "مخلفات" نظام مبارك وخصوصا وزراء الخارجية والداخلية والعدل. وبدا ان مشاعر الرضا والارتياح، التي ولدها تعيين شرف (الآتي من صفوف الثوار في ميدان التحرير) رئيسا لحكومة خالية من رموز النظام السابق، اختلطت وتلوثت بالخوف من مظاهر توحي بان هناك قوى تحاول الارتداد على الثورة وايجاد بؤر توتر واضطراب أسوأها استعادة أجواء الفتنة الطائفية التي اطمأن المصريون الى تبددها واختفائها التام من مشهد الثورة الذي جمع المسلمين والمسيحيين على قلب رجل واحد.


ونظرا الى العلاقة الوثيقة بين هذه الجماعة التي لم يكن لها وجود قبل سنتين وجهاز مباحث أمن الدولة السيىء السمعة والذي هاجم عشرات الآلاف مقراته في القاهرة والكثير من المدن الاخرى واقتحموها خلال الايام الاخيرة بعدما لم تستجب قيادة الجيش الممسكة بمقاليد السلطة في البلاد حالياً للمطالبات الملحة بحله، فان اعتقادا بات راسخاً لدى قطاع واسع من القوى والحركات السياسية التي شاركت في الثورة ان هذا الجهاز يخوض معركته الاخيرة من اجل "محاولة اعادة عقارب الساعة الى الوراء"، مستبيحا كل الوسائل والاسلحة بما فيها احياء مناخ الاحتقان الطائفي والسعي الى اشاعة الخوف والفوضى في البلاد.


وكان المجلس الاعلى للقوات المسلحة اعلن أن الجيش سيعيد فورا بناء الكنيسة المهدمة وسيلاحق المسؤولين عن الاعتداء عليها. لكن هذا القرار، الذي أبلغه رئيس الوزراء بنفسه مساء الأثنين للمعتصمين، لم يفلح في أمتصاص غضبهم بعدما شاع نبأ اداء أتباع الجماعة السلفية في قرية صول بالصلاة على أطلال كنيسة الشهيدين وزرع لافتة في المكان كتب فيها: "مسجد الرحمن".


ويسود اعتقاد قوي في الأوساط السياسية المصرية أن محاولة استعادة الأجواء الطائفية والإنفلات الأمني "المتعمد" كلاهما ليس مصادفة بل "خطة يائسة" تنفذها "فلول" نظام مبارك التي سبق لها أن أعطت الأوامر بعد ثلاثة أيام من الثورة (28 كانون الثاني الماضي) لقوات الشرطة الهائلة العدد (نحو مليوني رجل) بالاختفاء والانسحاب التام من مراكزها المنتشرة في طول البلاد وعرضها.


ويرصد كثيرون إشارات يرونها "غير بريئة" تؤكد أن بقايا النظام السابق وبالذات رجال الأعمال المرتبطين به والمتحالفين حاليا مع عناصر من "مباحث أمن الدولة" التي تتحرك عبر تشكيلات تنظيمية سرية تتألف من خليط يضم متطرفين دينيين ومجموعات من بلطجية والخارجين على القانون، كل هؤلاء يتحركون الآن على الساحة لإشاعة مناخ فوضى وخوف وباتوا يركزون جل نشاطهم على النفخ في "التوتر الطائفي" وزيادة حوادث الفتنة بين المسلمين والمسيحيين بسرعة مثيرة للإنتباه ، ويستدل عدد ليس قليلاً من السياسيين والناشطين المصريين على هذا المخطط بسلسلة حوادث متتابعة شهدتها الساعات الثماني والأربعين الأخيرة
وغذت مناخ التوتر الذي خلفه حادث هدم كنيسة "صول". وأبرز هذه الحوادث كان خروج المئات من أعضاء الجماعة السلفية في تظاهرات في شوارع العاصمة ومدن أخرى رافعين شعارات ومطالب "طائفية" غير مبررة مثل احياء قضية زوجتي القسين وفاء قسطنطين وكاميليا شحاته اللتين قيل انهما اعتنقتا الاسلام قبل ان تسلمهما الاجهزة الامنية الى الكنيسة القبطية.
غير ان الامر لم يقف عند حدود التظاهر وانما شن العشرات من السلفيين المسلحين مساء امس هجمات منسقة استهدفت مواطنين مسيحيين يقطنون "حي الزبالين" (جامعي القمامة) في منطقة المقطم بغرب القاهرة ما اسفر عن سقوط قتيل واحد على الاقل وعشرات الجرحى.


وعلى صعيد متصل، دعت الحركات الشبابية التي فجرت "ثورة 25 يناير الى اعتبار يوم الجمعة المقبل يوما للوحدة الوطنية، وحضت آلاف الشباب على التوجه الى قرية صول للمشاركة مع القوات المسلحة في اعادة بناء الكنيسة المهدمة، وتمكين المواطنين المسيحيين الذين اضطروا الى مغادرة القرية من العودة الى منازلهم.