القاهرة ـ «القدس العربي» - منار عبد الفتاح: أعلن صحافيون وحقوقيون مصريون تضامنهم في مواجهة ما يعتبرونه «هجمة شرسة» تستهدف حرية الصحافة والتعبير في مصر. وطالبوا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي رسميا بإعلان موقفه من الحريات التي كفلها الدستور، إلا ان بعض الأجهزة تعمد إلى انتهاكها بدعوى الحفاظ على الأمن القومي والسلم الاجتماعي، ولم يصدر رد رسمي من الرئاسة حتى الخميس، إلا ان مصادر أكدت ان السيسي ربما يقف وراء تراجع وزارة الداخلية عن ملاحقة بعض الصحافيين.
وكانت الوزارة تقدمت الأسبوع الماضي ببلاغ للنائب العام ضد موقع وجريدة «اليوم السابع» ورئيس التحرير خالد صلاح والصحافي السيد فلاح، المحرر في الجريدة تطالب فيه بحبسهما بتهمة تكدير السلم والأمن العام في مصر، اثر نشر خبر صحافي عبر موقعها الالكتروني بتاريخ 11 حزيران/يونيو حول تعرض احدى سيارات الرئاسة للاعتداء من قبل إرهابيين أثناء عودتها من شرم الشيخ . وأثار البلاغ الكثير من الجدل على الساحة السياسية والإعلامية، حيث اتهم الكثيرون النظام في مصر بالاعتداء على الصحافيين وحرية الصحافة.
تقصير تشريعي
وقال المستشار نجيب جبرائيل، رئيس «المنظمة المصرية لحقوق الإنسان» لـ«القدس العربي» «هناك هجمة شرسة ضد حرية الإعلام والكلمة وضد الأقلام الحرة في مصر والتي ظهرت موخرا وللأسف الشديد من الداخلية وربما ما حدث كان عكس اتجاه الرئيس عبد الفتاح السيسي بعد افراجه عن 165 من النشطاء والمحبوسين على ذمة قضايا التظاهر، ولكن من الغريب ان تقدم الداخلية بلاغا ضد موقع إخباري هام جدا مثل «اليوم السابع» وضد الكثير من الصحافيين ومن بعد ذلك تتراجع عن البلاغات وتسحبها من مكتب النائب العام» .
وأضاف «أعتقد ان هناك تقصيرا تشريعيا في القوانين التي تحمي الصحافيين ولكن يبدو ان الرئيس السيسي ربما يترك تعديل التشريعات المتعلقة بحرية التعبير والصحافة لتصدر من البرلمان، ولكن ما يحدث في مصر يُرجعنا إلى الانتقادات الدولية التي توجه ضدها في المحافل الدولية وخاصة المجتمع الدولي لحقوق الإنسان وخاصة إبان المراجعة الأخيرة لجنيف وفيها تم انتقاد مصر فيما يتعلق بحرية الصحافة وحرية الكلمة وحرية الفكر والتعبير. وكانت تلك هي التوصيات الثلاث التي اُدرجت ضمن 320 توصية التي تم طلب مصر تنفيذها». وأكد «ان تلك الانتهاكات التي تحدث في مصر ضد حرية الصحافة تقتصر على المعارضين فقط ولا تشمل المؤيدين».
وقال محمود كامل، عضو مجلس نقابة الصحافيين لـ«القدس العربي» ان»الهجمة ضد حرية الصحافة في مصر تستهدف الصحافيين الصغار، وهناك هجوم واضح على حرية الصحافة وتقييد للحريات وان تلك الواقعة لم تكن الأولى التي يُخالف فيها النائب العام القانون، والوقوف ضد حرية الصحافة ما يزال مستمرا بسبب وجود تجاوز من الداخلية للقوانين التي تحكم حرية الصحافة، بمعنى ان النيابة تتجاوز على الحق الذي كفله الدستور بمنع الحبس في قضايا النشر ومع ذلك يوجد حبس في قضايا نشر. كما ان النيابة تخترق القانون بعد إخلاء سبيل خالد صلاح بكفالة قدرها 10 آلاف جنيه، كما ان النيابة تتجاوز قانون تنظيم الصحافة ولا ترسل إخطارات إلى نقابة الصحافيين قبل التحقيق معهم بشكل كافي، كما ان الداخلية تتعدى على الدستور وتحتجز أشخاصا بدون ان توجه لهم اتهامات وهذا مخالف للدستور».
وقال خالد البلشي رئيس لجنة الحريات في نقابة الصحافيين لـ«القدس العربي» «ما يحدث في مصر من اعتداء على حرية الصحافة لا يعد حوادث فردية، وهذا التحليل بناء على ما اقرته لجنة الحريات في أن هناك هجمة شديدة على حرية الصحافة وان الأوضاع الصحافية في أسوأ فتراتها». وأضاف «ان القوانين التي تحكم حرية الصحافة قليلة جدا وضعيفة وبالرغم من ذلك تحدث انتهاكات عديدة لتلك القوانين الضعيفة سواء من قبل الدولة ومؤسساتها أو من قبل النيابة العامة. فالنظام بشكل عام ينتهك حرية الصحافة بعمق». وأكد «ان هناك مناخا عاما ينتهك جميع الحريات الصحافية ولكن الأمر موجه أكثر للمعارضة»، وأضاف «ان الحل لمواجهة تلك الانتهاكات يكمن في تفعيل منظومة مختلفة للحريات وقوانين تحاسب من ينتهك الحريات ونظام يمتنع عن الهجوم على حرية الصحافة».
وأضاف «إن اجتماع نقابة مجلس الصحافيين الأخير كان من أهم الاجتماعات في الفترة الأخيرة وأكد إصرار النقابة على حرية الصحافيين»، موضّحًا: «من يقف أمام حرية الصحافة، يُلْقِي بالوطن إلى التهلكة، وبيان الصحافيين اليوم جاء من أجل الحرية للجميع». ويضيف البلشي «نحن أمام وضع شديد السوء، ووقفة الصحافيين رسالة واضحة أن حرية الصحافة هي أساس بناء مصر الجديدة، وتحديد المسؤوليات خلال هذه الفترة واجب وضرورة» . وأشار إلى «أن تجارب التاريخ طويلة، وأثبتت أن الصحافة دومًا تستطيع أن تنتصر على من يحاول محاربتها، ومن هنا فإن نقابة الصحافيين أكدت أنها ستلجأ لوسائل تصعيد مختلفة في حال استمرار الهجمة على حرية الصحافة». وأوضح البلشي «عندما تطارد الصحافة في القضاء والشارع فنحن أمام وضع شديد السوء، ووقفة الجماعة الصحافية رسالة بالغة الأهمية ومدخلا لبناء مصر الجديدة، على أساس الحرية، وليس القمع والعودة إلى الأزمان السابقة».
لماذا اليوم السابع؟
وأعرب الكاتب الصحافي خالد صلاح، رئيس تحرير «اليوم السابع»عن دهشته من البلاغ الذي قدمته وزارة الداخلية، المطالب بحبسه وحبس السيد فلاح، خاصة أن الموقع لم يكن أول من نشر الخبر، موجهاً تساؤله لوزير الداخلية: «لماذا اليوم السابع؟». وقال خالد صلاح «مش إحنا اللي بنهدد الأمن العام، ومواقفنا واضحة مع أمن بلادنا، ومايصحش الداخلية توسع الفجوة رغم أن محررنا تأكد من المعلومة، وتعاملنا مع الموقف بما يرضي الله، ونشرنا نفي الرئاسة، وسارعنا في مساندة أجهزتنا الأمنية». وأضاف أن وزارة الداخلية استغلت مواد قانونية سيئة السمعة، فيها تضييق على الصحافيين، مؤكّدًا أن «اليوم السابع» من جانبها، لا تريد توسيع الفجوة: «لا يصح أن يبادرنا الآخرون العداء، ولكن إذا قرروا ذلك فلهم ذلك، ولو راجعين يكسروا الأقلام وان من ينشر خبرا يبقى بحساب، فهذا تخويف وأمر غير لائق، وأظن أنه موقف يجب تصحيحه، الأولى بالداخلية ان تقوم بحمايتي، وليس تقديم بلاغات ضدي».
وقال خالد صلاح «إن مجلس نقابة الصحافيين ورؤساء تحرير الصحف، اجتمعوا في النقابة على قلب رجلٍ واحد، لمناقشة ما يجري ضد الصحف من قِبَل وزارة الداخلية» واصفًا إياه بـ»موقف تاريخي رائع لم نشهده من قبل» وأضاف «وقفتنا كصحافيين مش عشان نحط على راسنا ريشة، وإحنا بنقول تعالوا حاسبونا ولكن بالقانون، وليس بتأليف التهم، وحاسبوني إذا تجاهلت الحقيقة، ولكن ما معنى الرأي والرأي الآخر؟». وتابع «من الوارد أن تكون هناك أخطاء صحافية، ولكن تأليف الداخلية تهمة تكدير السلم والأمن العام وفرض كفالة مالية على «اليوم السابع» بمثابة إجراء خارج القانون والدستور، وهذا ما توقفت أمامه نقابة الصحافيين».
واستنكر مصطفى بكري، البرلماني السابق، البلاغ المقدم ضد جريدة «اليوم السابع» ورئيس تحريرها خالد صلاح ، وقال في تغريدة في موقع «تويتر» «ماكان يجب ان يتم التقدم ببلاغ ضدها، خاصة وان ماحدث خطأ ليس مقصودا، والدليل هو إسراع «اليوم السابع» بنشر النفي، وكنت أتمنى ألا يتم التسرع بتقديم البلاغ ضد الزميل خالد صلاح ومحرر الخبر». وفي تغريدة أخرى قال «أسئلة مطروحة في قضية التحقيق مع الزميل خالد صلاح، هل كانت «اليوم السابع» أول من نشر خبر الاعتداء الكاذب علي موكب الرئاسة؟ الإجابة لا. هل نشرت «اليوم السابع» نفي المتحدث باسم الرئاسة، الإجابة بل كانت أول من نشر هذا النفي». ثم تابع متسائلاً: «هل الداخلية هي المسؤولة عن تقديم هذا البلاغ المقدم للنيابة، الإجابة لو كان هناك بلاغ المفروض تتقدم به الرئاسة وليس أحدا آخر».
ما فائدة حبس خالد صلاح؟
واستنكر الإعلامي خالد أبو بكر خلال تقديم برنامجه على قناة «العاصمة اليوم» تحويل خالد صلاح، والسيد فلاح، للنيابة بتهمة تكدير السلم والأمن العام، قائلًا «عايز أعرف هتستفاد إيه لما تحبس خالد صلاح». وأضاف أبو بكر»الصحافيين كلهم متضامنين مع خالد صلاح، حتى لو كان الخبر اللي نشروه غلط بس هم ماعملوش جريمة». ووجَّه الإعلامي رسالة لوزير الداخلية «إحنا هنخسر بعض كده ومش هنعرف نكمل» مشيرًا إلى أن غرض وزارة الداخلية من تقديم التهمة لخالد صلاح هو الحبس وليس شيئًا آخر وكان يجب احتواء الأزمة. وعلق الإعلامي عبدالرحيم علي، على تنازل وزارة الداخلية على البلاغين المقدمين ضد «اليوم السابع» و»المصري اليوم» قائلا: «وزير الداخلية اتخذ قرارا خاطئا بتقديم بلاغ رسمي ضد خالد صلاح وبعد 24 ساعة تم سحبه كي لا يعصف في العلاقة بين الإعلاميين والداخلية». وطرح علي، التساؤل الأصعب على وزير الداخلية، قائلا:»كان لازمته ايه؟»، مضيفًا: «لما العلاقة تسوء بين الصحافة والإعلام والداخلية سندخل في حارة سد».
وعلق الإعلامي عمرو أديب، على خبر إخلاء سبيل الإعلامي خالد صلاح، قائلا «خالد صلاح رئيس تحرير أكبر موقع إخباري في مصر والشرق الأوسط، وذهب للنيابة وقامت بإخلاء سبيله بكفالة 10 آلاف جنيه». وأوضح أنه يجب على الجميع أن يفهم أن «الدولة لا رجال لها، وأن النظام الحالي لا رجال له ولا يحمي أحدا». وتابع «خالد صلاح أكيد بيقول احنا وقفنا إلى جانب وزارة الداخلية وبالفعل الموقع وقف جانبهم وعرض بطولات الداخلية»، موضحا أن وزارة الداخلية شعرت أن الخبر المنشور كانت له تداعيات مؤسفة وأعطى إحساسا بأن هناك تطورات وطبيعي الداخلية استشعرت الخطر خاصة بعد أحداث الاقصر ومؤتمر شرم الشيخ. وأشار أديب إلى أن الوضع الحالي من قضية خالد صلاح والإعلامي أحمد موسى يقول «أننا ندخل في تفاصيل كثيرة بعيدة عن المشهد الحقيقي الذي من المفترض أن نكون مشغولين به».
وقال الإعلامي وائل الإبراشي إن جريدة «اليوم السابع» تقف مع وزارة الداخلية في خندق واحد ضد الفساد والإرهاب، وأضاف أن جريدة «اليوم السابع» تتواجد مع الوزارة لمكافحة الفساد والفاسدين والإرهاب، وتعد منبرا للتنوير، مشيرا إلى «أن الجريدة قامت بنفي الخبر وما قامت به يعد شجاعة الاعتذار». وأشار إلى أن القضية بين رفقاء الخندق الواحد، موضحا أن القضاء سيتعامل مع الطرفين سواسية، منتقدا تقديم وزارة الداخلية البلاغ ضد الجريدة «كما قدمت من قبل بلاغات ضد جريدتي «المصرى اليوم» و»الوطن»، وهذا يعد تقييدا لحرية الصحافة» متسائلا: «لماذا ملاحقة الصحافيين بتقديم البلاغات ضدهم؟».
في المقابل قال كارم محمود، عضو مجلس نقابة الصحافيين إنه «يجب أن يكون هناك قانون يُنظم حرية تداول المعلومات» موضحا أنه «كان يجب على وزارة الداخلية اللجوء إلى قانون الصحافة الذي يكفل حق الرد وتصحيح الأخبار وليس اللجوء إلى النيابة وتضخيم الأمور». وأشار إلى أن قانون الصحافة الحالي ينظم حق الرد، وأن حرية تداول المعلومات تغلق الباب أمام نشر الأخبار المغلوطة، متابعا أن معظم الأخطاء التي تنسب إلى الصحافة تقع فيها المواقع الالكترونية لأنها تتسابق على نشر الأخبار، واستكمل «نرفض تنظيم وزارة الداخلية موسم الحج، ووجود المتحدث الإعلامي في أي وزارة لا يغني الصحافيين عن القيام بأعمالهم، لأن المتحدث عمله روتيني وينظم الأخبار التقليدية لنقل البيانات الرسمية».
وقال العميد خالد عكاشة ، مدير المركز الوطني للدراسات الأمنية والاستراتيجية، «إن تنازل وزارة الداخلية عن بلاغاتها ضد الصحف هدفه تهدئة الأجواء، لأنها تُريد التفرغ للمسائل الأمنية الأخرى الأكثر دقة». وأضاف «أن تقديم وزارة الداخلية بلاغات ضد الصحف جاء بعد نشر أخبار غير دقيقة خلال الفترة الماضية»، مدللا على ذلك بخبر تعرض موكب الرئيس عبد الفتاح السيسي لإطلاق النيران من جانب مجهولين. وتابع «أن تداول بعض المعلومات غير الصحيحة يفسد العمل الأمني» موضحاً أن نقابة الصحافيين لديها رد متكرر عند نشر أخبار مغلوطة بأنه لا يوجد قانون ينظم حرية تداول المعلومات.
البلاغ استهداف للصحافة
وأستنكرت «الشبكة العربية لمعلومات حقوق اﻹنسان» إلقاء القبض على رئيس تحرير جريدة «اليوم السابع» الصحافي خالد صلاح والمحرر الصحافي السيد الفلاح، وقالت «إن البلاغ الذي قدم ضدهما إنما يشير إلى استهداف للصحافة ويعتبر تقويضاً لحريتها، خاصةً في ظل نشر جريدة اليوم السابع لكل اﻷخبار التي تُكذب الخبر، وأن منع ممثلي النقابة من حضور التحقيق هو انتهاك لسيادة الصحافة» ، وطالبت الشبكة السلطات المصرية بالتزام اﻹجراءات القانونية الواضحة في التحقيق بالقضية، واحترام حرية الصحافة وسيادة القانون.
وطالبت نقابة الصحافيين المصرية، في بيان لها ، الرئيس عبد الفتاح السيسي، بإعلان موقف واضح من حرية الصحافة وتطبيق الضمانات الدستورية والقانونية في هذا الشأن. وشدد البيان على امتناع الصحافيين عن سداد الكفالات في قضايا النشر لمخالفتها قانون النشر وقانون الصحافة. كما عقد نقيب الصحافيين يحيى قلاش مؤتمراً صحافياً لعرض نتائج الاجتماع الذي عقد بين مجلس النقابة ورؤساء التحرير، للرد على التصعيد الذي تمارسه الداخلية ضد الصحافيين، من خلال تقديم بلاغات تحمل اتهامات لا أساس لها من الصحة، ضد الصحافيين والمؤسسات الصحافية.
والجدير بالذكر، توافد عدد من الصحافيين، الاثنين الماضي، على مقر نقابة الصحافيين للمشاركة في الوقفة الاحتجاجية، التي دعا إليها الأعضاء، وذلك للتصدي لهجمة وزارة الداخلية على الصحافة، ولمواجهة التضييق على حرية الصحافيين. جاء ذلك عقب قرار النائب العام المستشار هشام بركات بإخلاء سبيل الكاتب الصحافي خالد صلاح رئيس تحرير «اليوم السابع»، والصحافي السيد فلاح المحرر في الجريدة، بكفالة قدرها 10 آلاف جنيه لكل منهما، بعد توجيه الاتهام لهما بنشر أخبار من شأنها تكدير الأمن العام وإثارة الفزع بين الناس.
من تقرير «لجنة الحريات ومنظمات المجتمع المدني» عن الانتهاكات ضد الصحافيين خلال 2015
ما زال الصحافيون في مصر يتعرضون لإنتهاكات مروعة، تقوم بها السلطات بشكل رئيسي مستهدفة منع الصحافيين من نقل الوقائع من الأرض للجمهور، بينما دخل على خط الاعتداء على الصحافيين وانتهاك حقهم في الحصول على المعلومات مجموعات من المواطنين وفلول الإرهاب. يأتي هذا التقرير كمحاولة من لجنة الحريات في نقابة الصحافيين، بالتعاون مع5 منظمات حقوقية لرصد طبيعة الانتهاكات ووسائلها.
ويشمل التقرير الشهور الأولى من عام 2015 ، وما جرى فيها من انتهاكات، جعلت العمل الصحافي في مصر مغامرة خطرة، قد تنتهي بصاحبها في السجن، وسط حالة من انعدام الشفافية، وإصرار مستمر من بعض أجهزة الدولة (خاصة وزارة الداخلية)، على استنساخ أساليب القمع، وعودة ممارسات تكميم الأفواه واستهداف الصحافيين، وهو ما يدفع ثمنها ليس الصحافيون فقط ولكن الجمهور أيضا، الذي يعتمد على الصحافة للحصول على المعلومات الموثقة، التي لم تضع الدولة حتى الآن قوانين لتنظيم تداولها ويضاعف من أثر ذلك ترسانة قوانين تم وراثتها من عصور القمع تجعل الصحافي كمن يسير وسط حقل ألغام يحول بينه وبين ممارسة واجبه المهني.
يرصد التقرير محاولات الصحافيين للخروج من مأزق الانتهاكات التي يتعرضون لها وكسر هيمنة الدولة على وسائل الإعلام من خلال منظومة التشريعات الصحافية الجديدة التي أوشكت على الإنتهاء منها حاليا، من خلال اللجنة الوطنية لوضع التشريعات الإعلامية تتويجا لنصوص الحريات في الدستور المصري..
ولكن ما يثير القلق هو ظهور تسريبات عن أن اللجنة الحكومية التي شكلها رئيس الوزراء إبراهيم محلب قد انتهت من وضع مسودات قوانين موازية، وقامت الحكومة بتسليمها للجنة الاصلاح التشريعي تمهيدا لاصدارها، رغم وعود الرئيس عبد الفتاح السيسي وتعهدات رئيس الوزراء إبراهيم محلب لنقابة الصحافيين والإعلاميين ونقيب الصحافيين السابق ضياء رشوان بأن لجنتهم هي الوحيدة المنوط بها وضع التشريعات.
أساليب انتهاك حقوق الصحافيين
تنوعت أساليب انتهاك حقوق الصحافيين خلال فترة الرصد، ما بين الحبس الاحتياطي واقتحام المنازل للقبض، وتلفيق التهم، وإصدار أحكام شديدة القسوة، مع تعسف واضح ضد كل محاولة لرصد الانتهاكات التي يتعرض لها الزملاء في ميدان العمل. كما تحول الحبس الاحتياطي وعدم تحديد مواعيد للجلسات إلى عقاب في مواجهة الصحافيين، وهو ما ظهر بشكل واضح في قضية الصحافيين أحمد جمال زيادة والذي تم الحكم ببراءته بعد487 يوما في السجن، ومحمود شوكان والذي لا يزال رهن الحبس الاحتياطي بعد أكثر من 600 يوم على القبض عليه . وبتوزيع الانتهاكات ضد الصحافيين على فترة الرصد، جاء شهر كانون الثاني/يناير 2015، كأكثر الشهور خلال العام الحالي التي شهدت انتهاكات ضد الزملاء ، وذلك لارتباطه بذكرى الثورة، فالشهر وحده شهد 57 حالة انتهاك، منها 36 حالة موثقة، فيما وصل عدد الانتهاكات في شباط/فبراير إلى 29 حالة انتهاك (بينها 14 حالة موثقة بشكل كامل)، وفي اذار/مارس وقعت 40 حالة انتهاك تم توثيق 21 منها، ليصبح العدد الاجمالي للانتهاكات 126 انتهاكا خلال الشهور الثلاثة الأولى من العام، بمعدل 1.4 انتهاك كل 72 ساعة تقريباً. وهي الانتهاكات التي تواصلت خلال شهر نيسان/إبريل.
وطبقا للرصد فإن الصحافة الالكترونية (شبكات اخبارية ومواقع)، كانت الأكثر عرضة للانتهاكات خلال فترة الرصد حيث تعرض صحافيوها لما يزيد عن 50 انتهاكا، فيما يأتي في المرتبة الثانية الصحف الخاصة، بينما حلت القنوات الأجنبية في المرتبة الثالثة بفارق كبير، حيث سجلت 4 انتهاكات ضد صحافييها، فيما حلت الصحف الحكومية في المرتبة الرابعة بثلاثة انتهاكات ضد الزملاء العاملين فيها.
أما التوزيع الجغرافي للانتهاكات، حسب فترة الرصد، فتصدرته القاهرة ، تلتها محافظة الجيزة ، ثم الإسكندرية في المركز الثالث. أما الجهات التي انتهكت حقوق الصحافيين، فهي على الترتيب: وزارة الداخلية بأكثر من (60 انتهاكا) ثم الجهات الحكومية والمسؤولين بـ(27 انتهاكاً)، ثم أفراد مدنيين أو يرتدون الزي المدني، انتهاءً بالتيارات المعارضة لنظام الحكم، والإرهابية التي انتهكت حقوق الصحافيين وحق المواطنين في الحصول على المعلومات في العديد من الوقائع ووصلت لحد التهديد بالقتل . |