بغداد – فاضل النشمي والوكالات
لم تمر لحظات إثارة منذ نحو عقد من الزمان لدى قطاعات واسعة من العراقيين مثلها هذه الأيام، وذلك بعدما أقر مجلس الوزراء في جلسة استثنائية إصلاحات جديدة أعلنها رئيس الوزراء حيدر العبادي رداً على احتجاجات على الفساد والنقص في الخدمات، تتضمن، في ما تتضمن، إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية التي يتولى أحدها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، ونواب رئيس مجلس الوزراء.
دفعت الإجراءات التي اتخذها العبادي بنقاطها الاصلاحية السبع، لحظات الإثارة الى ما يشبه الذهول والفرح المعلن لدى الطبقات الاجتماعية المختلفة، وخصوصاً تلك غير المرتبطة بالأحزاب والجماعات السياسية، وذلك على رغم عدم دخول إجراءات إلغاء مناصب نواب رئيسي الوزراء والجمهورية والتخلي عن الكثير من المخصصات المالية وجعل الوزارات أكثر إنتاجاً حيز التنفيذ. ويوجد في العراق ثلاثة نواب لرئيس الجمهورية هم شيعيان وسُني، وثلاثة نواب لرئيس مجلس الوزراء هم شيعي وسُني وكردي.
ويتولى مناصب نواب رئيس الجمهورية الثلاثة، وهي فخرية أكثر منها تنفيذية، زعماء الأحزاب السياسية التي تحكم البلاد، اي المالكي ورئيس مجلس النواب السابق اسامة النجيفي ورئيس الوزراء سابقا اياد علاوي.
كما تتولى ثلاث شخصيات سياسية مناصب نواب رئيس مجلس الوزراء، وهي بهاء الأعرجي عن التيار الصدري، وصالح المطلك زعيم الكتلة العربية، وروش نوري ساويش القيادي في التحالف الكردستاني.
ويمنح الدستور العبادي الحق في إقالة الوزراء بموافقة مجلس النواب. وتعرض نظام توزيع المناصب الحكومية على أسس طائفية وحزبية في العراق لانتقادات باعتباره يشجع على الفساد ويرشح غير المؤهلين للمناصب العليا.
وكان المرجع الأعلى آية الله العظمى علي السيستاني دعا رئيس الوزراء في خطبة الجمعة إلى الضرب "بيد من حديد" لمواجهة الفساد وتعيين المسؤولين بناء على الكفاية وليس على الانتماءات الحزبية أو الطائفية.
وعقب صدور موجة الإصلاحات الأولى، أحيلت على مجلس النواب للمصادقة عليها، ذلك أن بعضها يتطلب تعديلاً دستورياً، وتالياً من المرجح أن يستغرق تنفيذها بعض الوقت.
وتشمل الاصلاحات "إبعاد جميع المناصب العليا من هيئات مستقلة ووكلاء وزارات ومستشارين ومديرين عامين عن المحاصصة الحزبية والطائفية"، على ان "تتولى لجنة مهنية يعينها رئيس مجلس الوزراء اختيار المرشحين على ضوء معايير الكفاية والنزاهة". وكذلك تشمل "إلغاء المخصصات الاستثنائية لكل الرئاسات والهيئات ومؤسسات الدولة والمتقاعدين منهم"، و"فتح ملفات الفساد السابقة والحالية تحت اشراف لجنة عليا لمكافحة الفساد تتشكل من المختصين ودعوة القضاء الى اعتماد عدد من القضاة المختصين المعروفين بالنزاهة التامة للتحقيق فيها ومحاكمة الفاسدين".
وأوضح مكتب العبادي أن حزمة الإصلاحات تمثل المرحلة الأولى من إصلاحات أوسع ينتظر إصدارها الخميس المقبل تتعلق بإصلاح ملف القضاء والهيئات المستقلة وإلغاء مجموعة من الوزارات أو دمجها مع وزارات أخرى لضغط الإنفاق الحكومي.
تظاهرات
وأعلن منظمو التظاهرات الحاشدة الذين كانوا السبب الأهم في الضغط وتحريك مياه الإصلاح الراكدة، خروجهم الى ساحة التحرير لدعم اجراءات العبادي بأعداد كبيرة. واسترعى الانتباه في تلك التظاهرات دعمها لرئيس الوزراء، خلافاً لتظاهرات 25 شباط 2011 التي خرجت ضد حكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي.
ولاحظ مراقبون للتطورات العراقية المتسارعة انها المرة الاولى منذ زمن طويل تتحول "الارادة الجماهيرية الى فعل ارادة وتغيير"، وذلك بعد سنوات من تحكم "زعماء الطوائف والقوميات" بمصائر البلاد والعباد.
ومع ذلك، ليس في وسع أحد التكهن بمسارات التحول الذي قد تصل إليه البلاد في الأيام المقبلة، مع وجود شبكات المصالح الكبيرة التي انشأتها الجماعات السياسية منذ عام 2003. غير ان غضب المواطنين وتظاهراتهم المتواصلة وموقف المرجعية في النجف، وهذه ركائز الحملة الإصلاحية للعبادي. قد تفتح أبواب أمل كبيرة للتحول الايجابي المرجو.
حكومة انقاد وطني
في غضون ذلك، أشارت مصادر مقربة من مجلس الوزراء والتحالف الوطني، الى ان الإدارة الأميركية تدعم بقوة الاجراءات التي يقوم بها العبادي. ولم تستبعد أن تتطور الامور في مرحلة لاحقة الى حل مجلس النواب والحكومة لمصلحة تأليف حكومة "إنقاذ وطني" تدير البلاد لمدة سنتين.
وتحدثت المصادر عن قلق الإدارة الأميركية من عدم قدرة حكومة العبادي على دفع رواتب الموظفين لأيلول والأشهر التي تليه نتيجة إفلاس خزينة الدولة العراقية. لكن الحكومة تلقت تعهدات لدعم مالي في حال استمر العبادي في مساره الاصلاحي.
أبرز الردود
وإذ أعلن التيار الصدري والمجلس الأعلى واتحاد القوى السياسية بزعامة النجيفي وحتى المالكي، تأييد إجراءات العبادي، فاجأ علاوي المراقبين بموقفه المتحفظ من اجراءات العبادي. وجاء في بيان صادر عنه أنه يؤيد المطالب المشروعة للمتظاهرين، لكنه يحذّر من "نشوء ديكتاتورية جديدة وتفرد، وحصر الصلاحيات بيد شخص واحد".
وأيدت كتلة الحزب الديموقراطي الكردستاني الذي يتزعمه رئيس اقليم كردستان العراق مسعود بارزاني "الإصلاحات الجذرية لرئيس الحكومة حيدر العبادي"، لكنها طالبت ان يجري ذلك من خلال "برنامج محكم"، وحذرت من ان "تطبيق تلك القرارات ليس بالعمل السهل لأن الحكومة العراقية الحالية تشكلت على أساس التوافق".