التاريخ: كانون الأول ٢٩, ٢٠١٥
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
"جيش الإسلام" يواجه تحدّي البقاء بعد "قطع رأسه" وتساؤلات عن مصير غوطة دمشق ومحادثات جنيف
موناليزا فريحة
المشهد الميداني في الغوطة الشرقية المحاصرة منذ أربع سنوات كان ملبّداً في الاشهر الاخيرة. التطورات في المنطقة تسارعت بين سيطرة الجيش السوري على مرج السلطان، البوابة الرئيسية للمنطقة، وتصاعد التوتر بين "جبهة النصرة" من جهة و"جيش الاسلام" وباقي المجموعات المسلحة من جهة أخرى، بالتزامن مع محادثات "تسوية" آخرها اتفاق الحجر الاسود. وفوق كل ذلك، جاء مقتل قائد "جيش الاسلام" زهران علوش، الملقب "أبو عبدالله"، في غارة روسية، ليزيد التساؤلات عما ينتظر هذه المنطقة.

يعدّ "جيش الاسلام " 20 ألف مقاتل تقريباً استناداً الى خبراء.قاعدة عملياته في دمشق، وتحديدًا في دوما ومناطق الغوطة الشرقية. وقائده زهران علوش كان أحد أكثر القادة العسكريين السوريين اثارة للجدل. ففي حياته كما بعد مماته، أحدث انقساما واسعاً في صفوف المعارضين للنظام.

هو العدو اللدود للمعارضة العلمانية والليبرالية. أشرطة الفيديو الاولى له تتضمن خطباً مذهبية يدعو فيها الى تطهير دمشق من الشيعة والعلويين. ففي مقطع صدر في 2013، تحدث عن الحاجة الى غسل "الرجس" من الشام، قائلاً: "مجاهدو الشام سيغسلون رجس الرافضة والرافضية من الشام، سيغسلونه للأبد بإذن الله". واتهم بالمسؤولية عن خطف الناشطة رزان زيتونة ورفاقها في دوما، على رغم محاولاته المتكررة ابعاد هذه الشبهة عنه.

وفي المقابل، يعزو مؤيدوه خطابه المذهبي الى ضرورات جذب الشباب في الريف المحاصر . ويذكرون بأنه تصدى لـ"داعش" ورفض اعتباره ركنًا من أركان الثورة، نافياً أي دور للتنظيم في الصراع مع النظام، ومعتبراً أن الاخير استفاد من وجود "الدولة الاسلامية".

وكان "أسد الغوطة" كما يسميه مناصروه، شوكة أيضاً في حلق النظام. ينسب اليه الدفاع عن الغوطة الشرقية والاستقرار النسبي الذي شهدته على رغم التجويع والقصف المستمر، بما في ذلك بغاز الاعصاب.

ويقول الباحث في الشؤون السورية آرون لاند إن الصمود على جبهات دمشق، حيث حشد الاسد قوات كبيرة، "ليس بالامر السهل وهذا حصل بفضل رجال علوش"، كما ان التنسيق بين الفصائل المقاتلة وتقليص الاقتتال في ما بينهم ليس أقل من انجاز.

أساليب غير سليمة
لكن لاند يرى أن الاساليب التي استخدمها علوش لتحقيق الاستقرار في الغوطة الشرقية ليست سليمة، ذلك انه حشا الادارة المحلية بالمحسوبيات وبأفراد من عائلته لضمان عدم تهديد قبضته على السلطة، واتهم ببيع المساعدات والمواد الغذائية بأسعار باهظة وبقمع معارضيه بوسائل وحشية، منها التعذيب والاغتيال. لذلك لم يكن بطلاً في نظر خصومه، وإنما انتهازي متعطش الى السلطة وزعيم حرب وديكتاتور مصمم على الاستيلاء على القصر الرئاسي لنفسه. حتى أن ثمة من شبه اساليبه في الحكم بتلك التي يعتمدها الرئيس بشار الاسد.

كذلك ألحقت أساليب القتال التي يعتمدها "جيش الاسلام" أذى كبيراً بصورة الثورة، ومنها قصف المدنيين في دمشق، ونشر أكثر من 100 قفص حديد في دوما في داخلها أسرى من جنود وضباط سوريين، للضغط على النظام ومنعه من قصف الغوطة الشرقية. وقد أثارت هذه الممارسات انتقادات واسعة، لأنها لا تختلف عن ممارسات النظام و"داعش". علوش الذي أعلن اسلاميته بلا مواربة، كان براغماتياً أيضاً ما يكفي ليشق طريقه في متاهات المعارضة العسكرية وتحالفاتها المتبدلة.فبعدما ندد بالديموقراطية وأيد علناً حكماً اسلامياً سنياً تطبق فيه الشريعة تطبيقا كاملاً، حاول أخيراً تلميع صورته ربما تحت ضغط داعميه الخارجيين وطمعاً بدور في العملية السياسية.

الصحافية السورية الاصل هديل عويس التي أجرت المقابلة الاخيرة ربما مع علوش في الغوطة لحساب "الدايلي بست"، قالت إنها اعتقدت أن مهمتها ستكون مستحيلة نظراً الى خلفيتها السياسية والدينية، وهي مسيحية، الا أنها عادت بانطباعات مختلفة. سألته عن انتقاداته السابقة لـ"الديموقراطية"، فأجاب إنه كان يشير الى تلاعب بالناس من خلال أكاذيب مموهة بألوان جذابة، على غرار "ديموقراطية الاسد وتعددية البعث واسلامية الدولة الاسلامية".وعن سوريا المستقبلية، قال إنه يعتقد أن سوريا يجب أن تكون بقيادة حكومة تكنوقراط تمثل كل اطياف الشعب السوري "ونحن لا نرى أنفسنا اسلاميين. نحن مسلمون".

"جيش الفتح" والغوطة
كل ذلك صار من الماضي. مقتل علوش يثير تكهنات كبيرة عن مستقبل "جيش الاسلام"، ويذكر بالهجوم الذي أودى في العاشر من أيلول 2014 بنخبة من قادة "أحرار الشام" في مقدمهم أميرهم أبو عبد الله الحموي. في حينه كثرت الرهانات على انهيار قريب للحركة الفتية التي صارت أحد أبرز الفصائل في الشمال السوري.

لاند يقول إن مقتل علوش يشكل ضربة قاسية لـ"جيش الاسلام"، لكنه لا يعني بالضرورة أن هذا التنظيم سينهار. قائد قوي آخر قد يظهر وقد يحصل أيضاً على دعم جهات خارجية أو فصائل معارضة أخرى حريصة على الحفاظ على استقرار في الغوطة الشرقية في فترة صعبة.

لكن الوضع حساس بالنسبة الى "جيش الاسلام" وتالياً الوضع في الغوطة الشرقية . فالباحث في الشأن السوري يلفت الى أن هذه الجماعة ارتبطت بعلوش منذ نشأتها، ايام كانت معروفة بـ"لواء الاسلام"، وأن أكثر زعمائها وممثليها كانوا أصدقاء وأقرباء لعلوش، شأن محمد علوش الذي يعتبر كبير المفاوضين والمسؤولين السياسيين للجيش، وهو ابن عم زهران. من هذا المنطلق، اعتبر أن مقتل زهران مع قادة كبار آخرين هو بمثابة قطع رأس "جيش الاسلام". وفي ظل الاستياء الذي أثارته سيطرة "جيش الاسلام" بين الفصائل الاخرى والوضع غير المستقر، يتوقّع أن تشهد الغوطة الشرقية تغييرات كبيرة في الاشهر المقبلة.

"أبو همام"
وفي خطوة ترمي الى توجيه رسالة الى الداخل والخارج معاً، سارع مجلس الشورى لـ"جيش الاسلام" الى تعيين عصام البويضاني الملقب "أبو همام"، قائداً جديداً بعد ساعات على اعلان مقتل علوش.

وجاء في الاعلان أن البويضاني من القياديين البارزين في صفوف "جيش الإسلام"، وتولى منصب قائد "لواء الأنصار" ومن ثم قائد عمليات الجيش في الغوطة الشرقية، وأشرف على إدارة العديد من المعارك ، وساهم في وضع استراتيجية دفاعية لحماية الغوطة.

خطوة أولى ضرورية في اطار ترتيب البيت الداخلي، الا أن هذا الرجل المولود عام 1975 والمتحدر من دوما سيواجه على الأرجح تحدياً كبيراً في ملء فراغ رجل كاد ان يختصر تنظيمه بشخصه.

وتتزامن قيادة "أبو همام" مع اطلاق "مجموعة الدعم لسوريا " عملية سياسية ترمي الى تحقيق وقف للنار في سوريا وانتقال سلمي للسلطة ينهي الحرب الطاحنة في البلاد. وفي اطار هذه العملية أنشئت في الرياض "الهيئة العليا للمفاوضات" التي ستشارك مع النظام السوري في محادثات يتوقع أن تجرى أواخر كانون الثاني في جنيف في رعاية الامم المتحدة.

ومع أن علوش لم يحضر الاجتماعات شخصياً، فان "جيش الاسلام" كان الفصيل الأقوى والأكثر تشدداً الذي وقع بيان الرياض بعد انسحاب "أحرار الشام".
ليست طريق المفاوضات معبدة أصلاً، لكن تصفية علوش الذي كان يحظى بدعم سعودي واسع، والدور الروسي في العملية، يضيفان ولا شك عقبات جديدة في طريق الالف ميل للحل السياسي في سوريا.