التاريخ: كانون ثاني ١٦, ٢٠١٦
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
السعودية في "مزاج غاضب" حيال الاستفزازات والتهديدات الإيرانية
سيناريوات خطرة لمواجهات مباشرة رغم التحذيرات من "كارثة كبيرة"
موناليزا فريحة
على مرّ التاريخ، شهدت العلاقات بين السعودية وايران فترات هبوط أكثر من فترات الصعود. ومنذ الثورة الاسلامية خصوصاً، بدا الجانبان كـ"النار والديناميت" (التعبير للصحافي السعودي جمال خاشقجي)، ولكن قطع العلاقات الديبلوماسية بين الرياض وطهران بعد التطورات الاخيرة التي أعقبت اعدام رجل الدين الشيعي نمر باقر النمر هو تصعيد أول من نوعه منذ ثلاثة عقود وبادرت اليه السعودية، في خطوة دشنت مرحلة جديدة بين القطبين اللدودين.

تضامناً مع السعودية، سحبت الكويت وقطر الاسبوع الماضي سفيريهما من طهران وخفضت دولة الامارات مستوى العلاقات الديبلوماسية معها. وذهبت البحرين وجيبوتي والسودان الى قطع العلاقات تماماً مع ايران.

والتوتر بين السعودية وايران يؤذن بتصعيد على جبهات عمرها سنوات وتخوض عليها القوتان الاقليميتان حروبهما بالواسطة، من سوريا والعراق الى اليمن مروراً بجبهات أقل سخونة. ومع تحذير السعودية طهران من خطوات اضافية في حقها، تبدو الامور مفتوحة على احتمالات أشد خطورة، فما هي آفاق التوتر السعودي - الايراني؟ وما هي اقصى حدود التصعيد بين الجانبين؟

أستاذ العلوم السياسية الاماراتي عبد الخالق عبد الله قال لـ"النهار" ان السعودية في "مزاج غاضب" حيال الاستفزازات الايرانية، وثمة "فريق سعودي لم يعد يحتمل السياسات والاستفزازات والتهديدات " الايرانية.

وفي حديثه الى مجلة "الايكونوميست" الاسبوع الماضي، استبعد ولي ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان الذي يعد حالياً بمثابة الحاكم الظل في المملكة، مواجهة مباشرة بين السعودية وايران. وقال انه أياً يكن من يدفع في اتجاه هذا الامر "فهو شخص ليس في كامل قواه العقلية"، لان حربا بين السعودية وايران هي بداية لـ"كارثة كبيرة" في المنطقة، وستنعكس بقوة على بقية العالم، مؤكدا أن بلاده لن تسمح بأي شيء من هذا القبيل.

ولكن على رغم هذه المخاوف، ثمة مؤشرات متراكمة تدعو الى عدم استبعاد مثل هذه المواجهة."فمع تراجع أسعار النفط وتزايد الاعباء في ايران وتراجعها في أكثر من موقع، وخصوصاً في سوريا"، لا يستبعد عبدالخالق عبدالله أن تسعى طهران الى استفزاز السعوديين "مما يؤدي الى مواجهة مباشرة بين الجانبين".

ظريف والبحارة
صحيح أن طهران اتخذت اجراءات تهدف الى تبديد التوتر، مثل اقالة مسؤول أمني ايراني بارز في ما يشبه اقراراً ضمنياً بالتقصير في حماية البعثة الديبلوماسية السعودية، أو العدول عن تسمية شارع قرب القنصلية الايرانية في مشهد باسم "نمر باقر النمر"، الا أن الاتهامات التي وجهها وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف في مقال له في "النيويورك تايمس" الى الرياض بدعم التطرف ومحاولة احباط الاتفاق النووي بين طهران والغرب، لا تندرج في السياق نفسه.
وعنونت صحيفة "عكاظ" خبراً لها عن المقابلة: "جواد ظريف... ثقيل ولسانه زفر".

وعلّق وزير خارجية الامارات الشيخ عبدالله بن زايد على مقال ظريف، مغرّداً: "عندما قرأت المقال حسبت أن الكاتب وزير خارجية بلد اسكندينافي". فردّ الوزير الايراني بتغريدة قال فيها: "الديبلوماسية هي مجال الناضجين، وليس الأثرياء الجدد المتغطرسين"!

وتحول حادث احتجاز الحرس الثوري الايراني "الباسدران" البحارة الاميركيين العشرة في زورقين في مياه الخليج، المحطة الاخيرة لتبادل "القصف" الكلامي بين الجانبين.
وكتبت "عكاظ" ان عملية اطلاق البحارة جاءت "تجنبا لغضب واشنطن وانصياعا ايرانيا لأوامرها".

وسارعت وكالة "فارس" الايرانية شبه الرسمية للأنباء الى ابراز كلام الصحيفة السعودية، وعلّقت عليه قائلة: "هل تجرؤ دولة، بينها السعودية، على مثل هذا الاجراء الخطير الذي كان قد يقود الى مواجهة مباشرة بين طهران وواشنطن؟ وهل هي المرة الاولى التي تحتجز ايران عسكريين من دولة عظمى دخلت مياهها الاقليمية؟".
ولم تتوان ايران عن استغلال احتجاز الرهائن في حملة دعائية تنطوي على رسائل لا الى واشنطن فحسب، وانما أيضاً الى السعودية.

وأدرجت صحيفة "سعودي غازيتا" السعودية الصادرة بالانكليزية التصرف الايراني في اطار سياسة حافة الهاوية التي تنتهجها الجمهورية الاسلامية حيال المجتمع الدولي.

سيناريوات المواجهة المباشرة
وفي تقدير عبد الخالق عبد الله أن التوتر لا يزال في بدايته، وكل المؤشرات تفيد أن احتمالات التصعيد واردة، "فالجبهات الساخنة، وخصوصاً سوريا، ستكون أكثر سخونة"، و"المواجهة المباشرة" صارت واردة.
السياق نفسه تحدث عنه الباحث في"معهد واشنطن لشؤون الشرق الادنى" مايكل نايتز الذي عمل على التوازن العسكري بين طهران ودول الخليج سبع سنوات. وتوقع في مقال كتبه في"الفورين بوليسي" أن تتكثف الانماط القائمة حالياً، وتتمدد الى مواجهة مباشرة حادة قصيرة، لتعود وتنحسر الى مستوى حروب الوكالة على اراضي الاخرين. وقال ان طهران قد تبدأ باثارة العنف في المنطقة الشرقية والبحرين، وربما حاولت بمزيد من الجهد أن توقف الامدادات التي تصل الى اليمن من طريق البحر من خلال تعزيز بطاريات الصواريخ الساحلية للحوثيين. والمرحلة التالية في الحرب السعودية مع ايران ستكون في رأيه تكثيفاً لحرب الوكالة داخل سوريا، و"ربما تكون الخطوة التالية هي الامداد بصواريخ مضادة للطائرات".

وشأن الباحث الاماراتي، لم يستبعد نايتس حصول مواجهة تقليدية مباشرة بين الجانبين، على غرار "مناوشات حدودية على الحدود الساحلية المشتركة وفي المنطقة المحايدة في الخليج"، مشيراً الى أن حقول الغاز المشتركة والجزر المتنازع عليها هي نقاط تواصل واضحة.

وبعد التجارب الصاروخية الايرانية الاخيرة التي استفزت بها العالم، وحاذرت واشنطن المبالغة في التعليق عليها تفاديًا لاعاقة تطبيق الاتفاق النووي، قد تلجأ ايران الى اختبار الصواريخ أقرب وأقرب من خطوط الملاحة وسواحل الخليج. وكما حصل أثناء الحرب الايرانية - العراقية على طول ما يسمى خط فهد، تصور نايتس أن تبدأ الدوريات الجوية في اختبار بعضها. قد تُبادر ايران (أو دول الخليج) الى تحرش من نوع الواحدة بواحدة أو حتى استخدام كل جانب الألغام البحرية ضد طرق التجارة للآخر، علماً أن ايران استخدمت هذا التكتيك في الثمانينات. وليست الحرب الالكترونية سلاحاً مستبعداً في هذه المواجهة المفترضة.

وفي سيناريو أشد خطورة، لم يستبعد "أن نرى كلا الجانبين يخطئان في التقدير ويطلقان العنان في السنوات المقبلة لانفجار قصير جداً وحاد جداً للقوة العسكرية.

ترسانتان كبيرتان
لا شك في أن اية مواجهة عسكرية بين الجانبين ستكون لها نتائج مدمرة.فكلاهما يملك ترسانة عسكرية أكبر بكثير مما كانت خلال الحرب الايرانية - العراقية.
وقدّر موقع "انترناشونال سبكتيتور" الذي يعنى بالمسائل السياسية والعسكرية بـ547 الفاً عديد القوة المقاتلة لايران و233 الفاً للسعودية، وأحصى 333 مقاتلة من الجيل الرابع للسعودية و70 لإيران، و847 طائرة وهليكوبتر للسعودية في مقابل 600 لايران، و55 سفينة لسلاح البحرية السعودية و395 لايران، فيما تملك السعودية 8297 دبابة وعربة مدرعة في مقابل 3959 لايران. وقال نايتس ان القوات الجوية المتطورة للسعوديين والامارات، حليفتهم الرئيسية، صارت قادرة على تدمير كل مرافق الموانئ ومحطات تحميل النفط والصناعات الرئيسية لايران باستخدام الذخائر الموجهة بدقة، بينما يمكن طهران أن تمطر ساحل الخليج بصواريخ لا تعد ولا تحصى، غير موجهة وأخرى موجهة بعيدة المدى.