القاهرة - أمينة خيري بين محاربة الفساد فعلياً وشفهياً صحراء جرداء لا فعل فيها ولا إجراء. وبين ثلاث ملاعق سكر في الشاي واتهام مغرض بأنه المتسبب في أزمة السكر هامش من العبث لا يخلو من سفه. وبين مؤتمر رئاسي للشباب في منتجع شرم الشيخ ومعترك يومي للشباب في أرجاء المحروسة هُوة سحيقة وفجوة بعيدة، وصعوبة كبيرة في إيجاد المنطق ومعضلة عميقة في الفهم.
فهم المشهد الراهن في الشارع المصري لا يحتاج مجهوداً كبيراً أو ذكاءً فريداً. فالشيء وضده، والدعم ونقيضه، والرسائل وعكسها، والمشاكل وحلولها لم تعد تفسح مجالاً لمنطق بعينه أو حيزاً لتفسير دون غيره. مطارا القاهرة وشرم الشيخ يعجان بالمسافرين المتوجهين إلى شرم الشيخ، لحضور فاعليات «المؤتمر الوطني للشباب» الذي يتوقع، وفق التصريحات الرسمية، أن يكون «ملتقى للحوار المباشر بين الدولة ومختلف مؤسساتها من جهة، ومجموعة من الشباب المصري الواعد الطامح في مستقبل أفضل لوطنه» من جهة أخرى.
أما حركة المرور في بقية الأرجاء فتعج بمتعثرين ومتعثرات، ومتناحرين ومتناحرات، وضاربين عرض الحائط بقوانين السير وضاربات، ومجتهدين اجتهاداً شخصياً للخروج من عنق زجاجة عقد مرورية طاحنة متلاحقة ومجتهدات، وأصوات المذياع الناقل نشرات الأخبار المبرزة وقائع المؤتمر تلقى إما آذاناً مسدودة أو عقولاً متحيرة. فالملايين المنفقة على المؤتمر الضخم يعتبرها بعضهم إهداراً في زمن صعب، ويراها آخرون إنفاقاً في غير محله. لكن يظل هناك قطاع متمسكاً بتلابيب الأسباب متعلقاً بمبررات الانعقاد.
انعقد مجلس في عربة مترو الأنفاق للبحث في شؤون التقشف المطلوب والترشيد المنشود وربط الأحزمة على البطون، وهي الأمور الموجهة في رسائل مباشرة ومموهة ومستشعرة الحرج تارة ومعتمدة على إعلانات الترشيد في الشوارع تارة أخرى وعلى الشعور العام بالأزمة الاقتصادية دائماً. لكن دائماً ما تعرج النقاشات الشعبية والسجالات الشارعية على عقد المقارنات، وطرح التساؤلات، وكشف التشككات. وعلى رغم معرفة تامة بأبعاد الأوضاع الاقتصادية الصعبة وهضم شامل لنظرية «عد غنمك يا جحا» حيث «واحدة «واحدة قايمة وواحدة نايمة»، في إشارة إلى محدودية الموارد الاقتصادية لأسباب سياسية وثورية وأمنية، فإن تساؤلات تتراوح بين الاستفسار والاستنكار يتم طرحها عن «غنم» الحكومة وقابليتها للترشيد هي الأخرى أسوة بغنم الشعب.
تصريحات رسمية فكاهية مثل دعوة وزير التموين اللواء محمد علي مصيلحي للمصريين إلى التوقف عن عمل «المحشي» في الوقت الراهن في رد مداعب على مشكلة توريد الأرز وتهريبه إلى الخارج، ودعوات إعلامية جادة لتقليص تحلية الشاي إلى ملعقة أو اثنتين بدل أربع وخمس ملاعق، ومناشدات حكومية متكررة والترشيد والتقطير وتحمل القرارات الاقتصادية الصعبة المشار إليها غير مرة رسمياً من أجل غد أفضل وأكثر رفاهة، وحملات للإقناع بشراء المصري بدل الأجنبي تشجيعاً للصناعة المحلية وتنمية للموارد المصرية، تقف كلها على طرف نقيض من مشاهد المؤتمرات الرسمية الكبرى وآلاف المدعوين في أفخم الفنادق، وتجديدات المكاتب الوزارية مع استمرار وجود رواتب خيالية من موازنة الدولة، مع بدلات حضور جلسات وزارية ومكافآت استشاريين حكوميين ومواكب مسؤولين، مسببة حيرة ودهشة للمواطن العادي.
المواطن العادي المطالب بتخفيض السكر في الشاي، والماء في الصنبور، والغاز في السخان، والمصباح في البيت، واللحم على المائدة يجد نفسه مضطراً إلى دفع رشاوى مقنعة مموهة وأخرى جلية بائنة، بدءاً من رسوم إيقاف سيارة في الشارع لسائس سيطر على الشارع بوضع اليد مروراً بتخليص أوراق رسمية بدس ورقة من فئة 50 أو مئة جنيه أو مضاعفاتها في درج الموظف وانتهاء بظواهر تحولت دعائم حيث الدروس الخصوصية والبقشيش شبه الإجباري والتسول بالإكراه. وتتواتر الأسئلة الشعبية عن سر تواني أو تهاون أو تكاسل أو تباطؤ أو تجاهل مجابهة مظاهر الفساد التي تشكل عبئاً اقتصادياً إضافياً على الكواهل.
كواهل المواطنين تحمل الكثير، وكذلك آذانهم التي تتلقى أخبار تخفيض البعثات الديبلوماسية إلى النصف، وخطة التقشف داخل الأجهزة الإدارية للمحافظات، وضغط الإنفاق في بنود موازنات الوزارات والمصالح الحكومية والشركات ووحدات الجهاز الإداري بنسب تتراوح بين 15 و20 في المئة، وغيرها. الجميع يعرف أن التقشف بات ملحاً، والترشيد لم يعد اختياراً، وأن السكر بات عزيزاً، و «المحشي» أصبح ضنيناً، وأن ضيق ذات اليد تحول انسداداً، لكن تبقى الأسئلة واردة عن الآثار العكسية المتواترة نتيجة قرض الصندوق، والتعجبات قائمة من مؤتمرات ضخمة في المنتجعات، والمخاوف واردة حيث المواطن البسيط الذي كان يشكو في عصر ما قبل رياح الربيع من أنه «على الحديدة»، بات من دون حديدة بعد هبوبها. |