القاهرة - أمينة خيري أسئلة واعتراضات ومطالبات تموج بها قاعة البرلمان: توريد المحاليل الطبية، عمل المناجم القديمة، توريد النقد الأجنبي، أداء الجمعيات الأهلية، ملفات المبيدات في وزارة الزراعة. إشادات وثناءات تنطلق من مقار الأحزاب: قرض الصندوق طريق إلى التعافي، فشل دعوات قطاع من «الإخوان» شهادة وفاتهم، خطة الرئاسة للقضاء على الأمية رائعة. إعلاميون وإعلاميات يملأون الدنيا صخباً وصياحاً: التظاهرات الأميركية ضد دونالد ترامب زوبعة في فنجان، تصريحات رجب طيب أردوغان ضد مصر لا يمكن السكوت عليها، «فتاة العربة» في الاتحادية ضربة معلم. ومنظمات حقوقية تصدر دراسات دورية عن حقوق الإنسان التي هي تحت الحصار وتعديل قانون التظاهر الذي هو في طي النسيان وحال السجون والمسجونين التي في حاجة إلى مراجعة وتصحيح. وكتاب ومثقفون مصنفون في المعارضة لا يتوقفون عن انتقاد هذا القرار والتنديد بذلك الإجراء وصب الغضب والويلات على هذه التصرفات. وفي خضم هذه الأجواء المشحونة والمشاعر المحمومة والأصوات المبحوحة، يقف طرفان رئيسان في المنظومة ملتزمين الصمت ومنتظرين الفرج.
الفرج الذي ينتظره الشعب حان وقته، لكنه يبقى فرجاً مرتبطاً ارتباطاً شرطياً بإجراءات وخطوات وتحركات يتخذها الفريق الآخر الصامت وهو الحكومة. ولعلها من اللحظات النادرة والحقب غير المتكررة التي يجد فيها كل من الشعب والحكومة نفسه واقفاً محلك سر حيث لا حول لهذا ولا قوة لذاك في انتظار المجهول. ففي أعقاب فشل مدوٍ لدعوات «إخوانية» المنشأ ثورية الرداء للثورة على النظام يوم الجمعة الماضي، تنفس طرفا النقيض (الشعب والحكومة) الصعداء. وفي أعقاب إعلان موافقة صندوق النقد الدولي على توريد الدفعة الأولى من القرض المرتقب، عاد الطرفان وتنفسا الصعداء. لكن بعد مرور الساعات، يقف الشعب ناظراً إلى الحكومة منتظراً ما ستسفر عنه الأيام من تحسن في المعيشة، وانخفاض في الغلاء، وحماية للطبقات، سواء تلك الأكثر تضرراً أو القابعة في المنتصف والمعتلقة بتلابيب بقايا ما كان يسمى الطبقة المتوسطة. لكن الشعور العام ينبئ بانتظار قد يطول، والحكومة لا حس أو خبر، والشعب مازال ينتظر.
وعلى رغم شرط الحماية الاجتماعية للحصول على القرض المرتقب، وتأكيدات الوزراء على مدار الساعة أن الفقراء في العين وحاجاتهم في القلب، وتلميحات المسؤولين ونصائح الإعلاميين المقربين من الرئاسة التي تدور حول أهمية الترشيد باعتباره أحد أكبر مخارج الإنقاذ من الأيام الصعبة وضرورة للمجتمعات الراقية من باب «رب ضارة الأزمة الاقتصادية نافعة لتغيير ثقافة السفه والتبذير»، فإن القاعدة العريضة من المواطنين تنتظر تغييراً إيجابياً ما أو تحركاً حكومياً يمد لها يد العون.
العون الوحيد الذي يستشفه المواطنون يكمن في تصريحات الرئيس بين الوقت والآخر عن حماية الفقراء ومحدودي الدخل، أو أسئلته المباغتة للوزراء عن تحركات هنا أو إجراءات هناك، أو طمأنات يرسلها في طي حديثه المرتجل عن مصر المستقبل التي ستقفز قفزة نوعية عبر المشاريع القومية والإجراءات الآنية. لكن العون النفسي وحده لا يكفي، وانتظار الفرج من دون بشائر تذكر لا يرضي.
وبين الكفاية والرضا ينتظر المصريون ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من تحركات على الأرض. وعلى رغم صعوبة فهم النظريات الاقتصادية، وتعقد هضم القواعد المالية، وتقبل كثيرين لحتمية اتخاذ إجراءات اقتصادية صعبة، فإن الجميع بات يضرب كفاً بكف في محاولة لفهم القرار الرسمي المفاجئ بتعويم الجنيه تعويماً كاملاً. والجميع يسأل ويتعجب من سر وقوف تعديل أو تغيير أو نسف قوانين الاستثمار المعرقلة حتى اليوم. والجميع يشعر أن حلولاً ما غير تقليدية كان يمكن أن تتبع في ملف السياحة المجمد. والجميع يقف عاجزاً عن الفهم أمام ملفات الفساد والفاسدين والمفسدين المسكوت عنها.
وبينما المواطنون ينتظرون انتظاراً يشوبه الكثير من الأسئلة والاستفسارات، يخرج أحد المراكز البحثية (المحسوبة إدارته على النظام) باستطلاع يشير إلى أن نحو 43 في المئة من المواطنين موافقون على القرارات الاقتصادية الأخيرة، وأكثر من النصف متفائلون بمستقبل الإصلاح الاقتصادي، وإن ظلت ملفات الغذاء والصحة والطاقة على رأس الأولويات. أولويات المصريين معروفة ومتوقعة للجميع ولا تحتاج استطلاعاً للرأي أو قياساً للتوجه.
لكن ما يحتاج استطلاعاً للرأي وقياساً للتوجه هو أعضاء الحكومة بصمتهم المنتظر فرجاً ما يرفض المجيء. السؤال الذي وجهه متصل بأحد برامج «توك شو» إلى المذيع كان مباغتاً. «الرئيس يعمل والإعلام يتحدث والكتاب يكتبون والأحزاب تردد صدى الكلام، لكن لماذا ينتاب المصريين شعور بأن الحكومة لا حول لها أو قوة؟ هل الوزراء غير متناغمين؟ هل ينتظرون تعليمات الرئيس؟ هل يخشون على أنفسهم من تغيير وزاري ربما وشيك؟».
أسئلة المتصل لم يرد عليها المذيع وإن دار في دوائر مفرغة من تبريرات غير مقنعة وتفسيرات غير وافية. لكن تبقى الكرة في هذه المرحلة في ملعب الحكومة التي يشعر كثيرون بأن فريقها لم يعد إعداداً جيداً للمباراة. فلا تمريرات اقتصادية بعينها متوقعة، أو دفاعات اجتماعية محددة، أو تحركات إنعاشية مجهزة، أو إحرازات لأهداف شعبية في الأفق.
آفاق «الإجراءات الاقتصادية المؤلمة» التي لمح إليها رئيس الوزراء شريف إسماعيل غير مرة، وتعويم الجنيه المباغت، وقرض الصندوق الوارد، ورفع الدعم عن الطاقة الدائرة رحاه، وغلاء أسعار السلع بلا هوادة، لا تدفع المصريين إلا إلى الانتظار. وهو انتظار يعتنقونه عن طيب خاطر ويتحملونه بسعة صدر، لولا منغص واحد، ألا وهو انهم فوجئوا بالحكومة تنتظر معهم. |