التاريخ: كانون الأول ١٤, ٢٠١٦
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
منعطف استراتيجي بعد معركة حلب وإجلاء المسلحين إلى ريفَي حلب وإدلب وتقارير عن "فظائع"
جنيف - موسى عاصي
حسمت روسيا الأمر في حلب، وانتهت المعركة بانتصار واضح للنظام السوري وحلفائه، وانتقلت الأزمة السورية مع هذا التحول الاستراتيجي الى مرحلة جديدة، بدأ العالم يتعامل معها تبعاً للوقائع المستجدة، خالية من أدبيات طبعت مرحلة السنوات الخمس المنصرمة.

ولن يكون في مقدور المعارضين والدول الداعمة لهم، على الأقل في المرحلة الحالية، المطالبة برحيل الرئيس السوري بشار الأسد ونظامه من أجل ولوج طريق الحل السياسي. وساد هذا المنطق في أول بيان يصدر عن مجموعة دولية بحجم الاتحاد الأوروبي، الذي قال في مسودة البيان الذي سيصدر غداً عن قمة الرؤساء في بروكسيل: "إن الاتحاد لن يساهم مالياً في إعادة بناء سوريا بعد الحرب إذا لم تترك موسكو ودمشق مكاناً في المستقبل للمعارضة السورية".

وبعد أربعة أيام من المحادثات بين الخبراء الروس والاميركيين في جنيف، جاء الاتفاق النهائي من تركيا عقب اجتماعات بين الجانبين التركي والروسي، ستستمر اليوم أيضاً، لاختيار الممرات التي ستدخل منها المساعدات الانسانية الى حلب، وتم الاتفاق في محادثات الايام الأخيرة على خروج المسلحين كافة، أياً تكن انتماءاتهم، الى ريفي حلب الغربي وادلب مع أسلحتهم الخفيفة وافراد عائلاتهم بضمانات روسية. كما ينص الاتفاق على خروج من يريد من المدنيين. وأعلن الجانبان الروسي والسوري أن أحداً لن يتعرض للمدنيين الذين يقررون البقاء في بيوتهم ومناطقهم.

وأفاد مصدر في "الجيش السوري الحر" من شرق حلب في اتصال مع "النهار" ان كل العناصر ستغادر احياء شرق حلب اعتباراً من الخامسة صباح اليوم الى المناطق المتفق عليها وستقيم بداية في مخيمات ضمن المناطق الحدودية مع تركيا التي تخضع لسيطرة الاتراك أو الفصائل المعارضة المتحالفة مع تركيا ضمن قوات "درع الفرات". وستبدأ الأوتوبيسات بالتجمع فجر اليوم في الاحياء التي لا تزال خاضعة لسيطرة المعارضة لتبدأ بنقل المسلحين، فيما بدأت ليلاً عملية نقل المصابين والجرحى الى المناطق التي استعادتها القوات النظامية قبل توجههم إلى تركيا للمعالجة.

وأوضح "المرصد السوري لحقوق الانسان" الذي يتخذ لندن مقراً له، أن الاستعدادات بدأت في بلدة الاتارب وبلدات أخرى في ريف حلب الغربي لاستقبال المسلحين وعائلاتهم والذين بدأوا بالتجمع في الاحياء التي لا تزال تحت سيطرة المعارضة المسلحة والتي تضم حيي المشهد والأنصاري وأجزاء من أحياء السكري وسيف الدولة وصلاح الدين والعامرية والزبدية.

وجاء الاتفاق نتيجة اتصالات بين الجانبين الروسي والتركي، وبين الروس وبعض المجموعات المسلحة ومنها مسؤول "حركة أحرار الشام"، "الفاروق" الذي وجه رسالة صوتية (حصلت "النهار" على نسخة منها) الى كل المواقع التابعة للمعارضين المسلحين يعلمهم فيها باتفاق وقف النار لكنه يطلب منهم البقاء على السلاح الى ان يتم تطبيق الاتفاق.

وقال المسؤول في فصيل "فاستقم" المعارض زكريا ملاحفجي إن مفاوضات جرت مع الروس ليل الاثنين وإن أول ما تمّ الاتفاق عليه هو وقف الغارات الجوية. وقد توقفت الغارات فعلاً صباح أمس، أما الاشتباكات الميدانية فاستمرت الى أن بدأ سريان مفعول الاتفاق.

رعاية الصليب الأحمر
وفي جنيف، أبدت اللجنة الدولة للصليب الاحمر استعدادها للعمل وسيطاً إنسانياً محايداً في عملية إجلاء المسلحين من شرق حلب.
وصرحت الناطقة باسمها كريستا أرمسترونغ: "لا يزال الأطراف المختلفون في الوقت الحاضر يبحثون في تفاصيل هذا الاتفاق وكيفية تنفيذه، ونأمل أن يتحقق وأن يأخذ في الاعتبار مصالح المدنيين".

واشنطن تطالب بمراقبين دوليين
وحرصت واشنطن على اظهار تمايزها عن الاتفاق، وصرح الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية جون كيربي بأن واشنطن اطلعت على تقارير عن اتفاق لوقف النار في حلب، وشدد على أن الاتفاق تم التوصل إليه، استناداً إلى التقارير، "بجهود روسية وتركية"، وأعلن ان بلاده ترحب بأي حل من شأنه أن يوقف العنف ليس في حلب فحسب، بل في عموم سوريا.

من جهة أخرة، طالبت المندوبة الاميركية الدائمة لدى الامم المتحدة السقيرة سامنثا باور بنشر "مراقبين دوليين حياديين" في حلب للاشراف على اجلاء المدنيين "بأمان تام"، وقالت في كلمة لها أمام جلسة دعت اليها فرنسا لمجلس الأمن "ان المدنيين الذين يريدون الخروج من احياء حلب الشرقية خائفون، وهم محقون في ذلك، من تعرضهم للقتل على الطريق أو من نقلهم الى أحد معتقلات الاسد".

تشوركين: المعارك انتهت
وأعلن المندوب الروسي الدائم لدى الامم المتحدة السفير فيتالي تشوركين "ان المعارك حول حلب الشرقية انتهت"، وانتقد مداخلات مندوبي فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، الذين هاجموا روسيا والحكومة السورية، وقال إن هذه الدول "هي نتيجة ظهور تنظيم داعش بسبب تدخلها في سوريا والعراق، ودورها في تصعيد الأزمة السورية التي أدت إلى التبعات الصعبة حالياً".
ونفى ما أعلنته المفوضية السامية لحقوق الانسان عن تصفية الجيش السوري لمدنيين في حلب قائلاً إن هذه المعلومات عارية من الصحة.

معاودة العملية السياسية
في غضون ذلك، عاد صوت المطالبة بمعاودة المفاوضات بين الاطراف السوريين في جنيف. ودعا الأمين العام للأمم المتحدة بان كي - مون جميع الأطراف السوريين إلى وقف العنف والانخراط في تسوية سياسية بموجب القرار 2254 لمجلس الأمن.

ورأى المبعوث الاممي ستافان دو ميستورا ان نهاية أزمة حلب هي "أفضل لحظة للضغط من أجل معاودة عملية السلام في سوريا". وأبدى استعداد الامم المتحدة لدخول حلب، "لكننا في انتظار موافقة الحكومة السورية"، مشيراً إلى "أننا نعد خططاً للطوار للتحرك سريعاً، إذا لزم الأمر في حلب".

وأكد دو مستورا أن الأمم المتحدة "لا تملك أي دليل على أن الجثث في شوارع حلب سببها القوات الحكومية". وكان الناطق باسم المفوضية السامية لحقوق الانسان روبرت كولفيل قد صرح في مؤتمر صحافي في جنيف بأن "القوات السورية بمشاركة ميليشات عراقية نفذت اعدامات في حق 82 من المدنيين والمسلحين في شوراع حلب وفي البيوت أيضاً".

تقارير عن "فظائع" في حلب الشرقية: قوات النظام تدخل منازل وتقتل المدنيين

أبدت الامم المتحدة قلقها من تقارير عن "فظائع" محتملة ارتكبت في حق مدنيين في مناطق سيطرة النظام السوري في حلب، بينهم نساء وأطفال.

خلال مؤتمر صحافي في جنيف، صرح الناطق باسم مجلس الامم المتحدة لحقوق الانسان روبرت كولفيل نقلا عن "مصادر موثوق بها" ان الضحايا، وبينهم 11 سيدة و13 طفلا، قتلوا "على الغالب في الساعات الـ48 الاخيرة" في اربعة احياء مختلفة من حلب.

واضاف :"تم ابلاغنا ان قوات النظام تدخل بيوت المدنيين وتقتل الافراد الموجودين هناك، بمن في ذلك النساء والاطفال"، مشيراً الى ان مكتبه يملك اسماء الضحايا. وأضاف ان بعض المدنيين "تمكنوا من الفرار".
وكان الامين العام للامم المتحدة بان كي- مون اعرب الاثنين عن قلقه من تقارير تحدثت عن فظائع ارتكبت في الساعات الاخيرة في حلب في حق "عدد كبير" من المدنيين.

وجاء في بيان صادر عن ناطق باسمه ان "الامم المتحدة تشدد على ان من واجب كل الاطراف الموجودين على الارض حماية المدنيين والتزام القانون الدولي الانساني وحقوق الانسان"، موضحاً ان "هذا خصوصاً مسؤولية الحكومة السورية وحلفائها".

وفي تغريدة بموقع "تويتر" للتواصل الاجتماعي، رأى رئيس مجموعة العمل حول المساعدة الانسانية في سوريا يان ايغلاند ان "سوريا وروسيا تتحملان مسؤولية كل الاعمال الوحشية التي ترتكبها الميليشيات المنتصرة في حلب". ودعا الى وقف للنار "يتيح لنا اجلاء الجرحى والاكثر ضعفاً من تحت الحطام في حلب".

في غضون ذلك، يتكدس آلاف المدنيين في حي المشهد واجزاء من أحياء أخرى في شرق حلب لا تزال فيها فصائل المعارضة، بعضهم لا مأوى له، ينامون في الشارع. ويعاني الجميع الخوف والجوع.

وقال الناطق باسم الدفاع المدني الذي يضم مجموعة من المتطوعين يعرفون بذوي "الخوذ البيض" في شرق حلب ابرهيم أبو الليث: "الجيش سيطر على كل المناطق وصار على بعد مئتي متر منا. نهايتنا تقررت". وتساءل: "لماذا نختبئ؟ لا شيء سينفع. نهايتنا الموت أو الاسر".

وحذرت اللجنة الدولية للصليب الاحمر في بيان من أنه "مع بلوغ المعركة تصعيداً غير مسبوق وغرق المنطقة في الفوضى، لا يملك الآلاف غير المشاركين في العنف مكاناً آمناً يتوجهون اليه... قد تكون هذه الفرصة الاخيرة لانقاذ الارواح".

وقال المدير الإقليمي لصندوق الأمم المتحدة لرعاية الطفولة "يونيسيف" جيرت كابيلير في بيان: "وفقا لتقارير مقلقة من طبيب في المدينة هناك كثير من الأطفال ربما أكثر من 100 - افترقوا عن عائلاتهم أو تركوا من دون من يرعاهم- محاصرون داخل مبنى يتعرض لهجوم عنيف في شرق حلب". وتناقل ناشطون بكثافة في مواقع التواصل الاجتماعي تغريدة للدفاع المدني جاء فيها: "كل الشوارع والابنية المهدمة مليئة بالجثث. إنه الجحيم".

وكتب الناشط الاعلامي في شرق حلب محمد الخطيب في صفحته بموقع "فايسبوك": "ايها العالم، هل يعقل ان دماء وارواح أهل حلب رخيصة الى هذه الدرجة؟"
وبث التلفزيون السوري مشاهد تظهر مئات من المدنيين معظمهم من النساء يحملون أطفالهم وحقائبهم وهم يسيرون تحت المطر في طريق تحيط به ابنية مدمرة في اشراف الجيش.

ويقدر "المرصد السوري لحقوق الانسان" الذي يتخذ لندن مقراًَ له عدد المدنيين الذين فروا من الاحياء الشرقية خلال نحو شهر بأكثر من 130 ألف شخص، نزحوا في معظمهم الى مناطق خاضعة لسيطرة قوات النظام في غرب حلب أو تلك التي استعادها في شرق المدينة. وفي مدينة ادلب، تظاهر العشرات مساء الاثنين تضامناً مع حلب. وهتف المتظاهرون: "بالروح، بالدم نفديك يا حلب"، وحملوا لافتات كتب فيها: "نحن نقتل بصمتكم" و"انقذوا حلب قبل فوات الاوان".

تركيا
وفي انقرة، اعلن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أنه "اليوم، غدا وكل يوم، سنكثف محادثاتنا مع روسيا ودول أخرى من اجل التوصل الى حل لهذه المأساة الانسانية... ستتواصل جهودنا، أساساً للسماح للمدنيين بالخروج ومن اجل وقف اطلاق النار".

وقالت وزارة الخارجية التركية ان انقرة تشعر "بالغضب والفزع" جراء المذابح التي يرتكبها النظام السوري وحلفاؤه في حق المدنيين في شرق حلب. ووصفت تصرفات هؤلاء بأنها انتهاك كبير للقوانين الإنسانية الدولية.
ودعت إلى وقف فوري للهجمات وإجلاء آمن للمدنيين في شرق حلب. وجاء في بيان لها أن النظام السوري لا يمنح المدنيين الراغبين في الخروج من حلب فرصة وأن هذه التصرفات بمثابة إعدام جماعي.
وأكدت أنها تشعر بقلق بالغ من أن يواجه عشرات الآلاف من المدنيين المحاصرين في منطقتين في حلب فيهما مقاتلو المعارضة مصيراً مشابهاً.