لم يشهد اليوم الرابع لوقف النار في سورية خروقات كبيرة باستثناء تلك التي تحصل في وادي بردى قرب العاصمة دمشق، حيث تبدو القوات النظامية وميليشيات متحالفة معها مصرّة على تحقيق تقدّم في هذه المنطقة التي تتحكم بمصادر تعذية العاصمة بمياه الشفة. أما في شمال غربي البلاد، فقد سُجّل مقتل عدد من القادة البارزين في «جبهة فتح الشام» («النصرة» سابقاً) أو القريبين منها بغارات شنتها طائرات بلا طيار في محافظة إدلب.
وأفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» في تقرير أمس، بأن الطائرات الحربية جددت قصفها على قرى وبلدات عين الفيجة ودير مقرن وبسيمة بوادي بردى في ريف دمشق، بالتزامن مع قصف مدفعي وصاروخي و «اشتباكات بوتيرة عنيفة بين قوات النظام وحزب الله اللبناني والمسلحين الموالين للنظام من جنسيات سورية وغير سورية من جهة، والفصائل المقاتلة والإسلامية وجبهة فتح الشام من جهة أخرى، حيث تحاول قوات النظام تثبيت تقدمها في أطراف عين الفيجة ... واستعادة المناطق التي خسرتها في الأعوام الفائتة». وقال مدير «المرصد» رامي عبدالرحمن لوكالة «فرانس برس»، إن «قوات النظام ومقاتلين من حزب الله اللبناني أحرزوا تقدماً في المنطقة وباتوا على أطراف عين الفيجة، نبع المياه الرئيسي في المنطقة ويخوضون مواجهات عنيفة مع الفصائل لتأمين محيطه». وأضاف أن «هذا التصعيد العسكري يعد خرقاً للهدنة، على رغم أن قوات النظام بدأت هجومها قبل أسبوعين بهدف السيطرة على منابع المياه التي تغذي معظم مناطق العاصمة».
ولمنطقة وادي بردى «أهمية استراتيجية للنظام»، بحسب ما ذكر «المرصد»، الذي لفت إلى أنها تحتوي على منابع المياه التي تغذي معظم العاصمة دمشق. وأضاف أن السلطات السورية هي من قطع المياه القادمة من عين الفيجة إلى دمشق يوم الجمعة (23 كانون الأول/ديسمبر) «مدعية أن الفصائل ضخت مادة المازوت (الديزل) عبر الأنابيب التي تستجر من خلالها المياه إلى العاصمة، ليتبين أن مادة المازوت تسربت إلى الأنابيب خلال العمليات العسكرية في عين الفيجة والتي تهدمت بفعلها إحدى غرف المضخات في المنطقة».
وفي هذا الإطار، أوردت شبكة «شام» المعارضة أمس، أن جماعة «حزب الله» اللبناني وقوات الدفاع الوطني، المساندتين للقوات النظامية، حاولتا مساء الأحد فتح طريق إلى عين الفيجة وجلبتا آلية «بلدوزر» مدرّعة تولّت حفر أنفاق وفتح طريق جديدة «في خرق واضح وصريح» لاتفاق وقف النار، مضيفة أن «الثوار قاموا بالالتفاف على مجموعة حزب الله... وميليشيات الدفاع الوطني في منطقة أرض الضهرة حيث وقع عدد من القتلى والجرحى وقامت المجموعة التي حاولت التقدم بالتراجع».
أما شبكة «الدرر الشامية» المعارضة، فأوردت من جهتها أن «الفصائل العسكرية في منطقة وادي بردى بريف دمشق أعلنت أنها ستطالب الفصائل المتواجدة في الداخل السوري بنقض اتفاق الهدنة وإشعال الجبهات» في حال استمرت القوات النظامية في هجومها على المنطقة المحاصرة التي تضم قرابة 100 ألف نسمة.
وأضافت «الدرر» أن «الفصائل أصدرت بياناً أكدت فيه أنها التزمت باتفاق وقف النار وأوقفت كامل العمليات العسكرية في 30 كانون الأول العام الماضي إلا أن نظام الأسد لم يظهر أي التزام وبدأ بعملية عسكرية واسعة على القرى المحاصرة... كما استهدفها بالبراميل المتفجرة والصواريخ فضلاً عن محاولات اقتحام شهدتها عدة مناطق بذريعة تواجُد تنظيمات إرهابية». وأكدت الفصائل في بيانها «أن لا وجود لأي عناصر أو مقرات تابعة لتلك التنظيمات (الإرهابية) وأن المقاتلين المتواجدين في المنطقة جميعهم تابعون للقيادة الموحدة للجيش السوري الحر ومن أبناء المنطقة». وتؤكد مصادر معارضة أن هناك وجوداً محدوداً لـ «جبهة فتح الشام» («النصرة») في وادي بردى، لكن غالبية المقاتلين تنتمي إلى فصائل «الجيش الحر». ونوّه البيان إلى أن الفصائل المتواجدة في وادي بردى هي ذاتها التي حاربت تنظيم «داعش» في جرود المنطقة وطردته بشكل نهائي بعد تدمير مقراته في 13 كانون الثاني (يناير) من العام الماضي 2016.
في غضون ذلك، أورد «المرصد السوري» أنه «ارتفع إلى 8 على الأقل عدد المقاتلين والقياديين الذين تأكد حتى الآن أنهم قضوا جراء الضربات الجوية التي استهدفت (أول من) أمس سيارات كانوا يستقلونها على طريق سرمدا- حزانو وطريق سرمدا- باب الهوى بالريف الشمالي لإدلب». وأضاف أن من بين «الذين تأكد مقتلهم 3 قياديين في الفصائل الجهادية العاملة على الأرض السورية، أحدهم من الجنسية السورية وآخر قيادي في تنظيم القاعدة من جنسية خليجية، إضافة إلى أحد القياديين الجهاديين العشرة الأوائل في سورية وأحد القادة الأربعة الأبرز في الحزب الإسلامي التركستاني، حيث تفحمت معظم الجثث باستثناء جثة أبو عمر التركستاني».
أما شبكة «شام»، فأوردت من جهتها أن عدد القتلى في الضربات الجوية بلغ 12، بينهم «قيادي بارز في المكتب العسكري التابع لجبهة فتح الشام». ونقلت عن مصادر ميدانية أن غارتين استهدفتا «سيارتين تابعتين لجبهة فتح الشام، الأولى على طريق باب الهوى خلّفت شهيدين، والثانية في بلدة سرمدا خلّفت عشرة شهداء» كانوا في عربة «فان». وأشارت إلى أن من بين القتلى «خطاب القحطاني» و «أبو المعتصم الديري»، لافتة إلى أن «خطاب يشغل منصباً رفيعاً في المكتب العسكري لفتح الشام»، مرجحة أن يكون الديري مرافقه. ونفت أن يكون من بين القتلى «أبو عمر التركستاني» قائلة إنه قضى سابقاً بعبوة ناسفة في خان العسل.
وتضاربت المعلومات حول ما إذا كان بين قتلى الغارات الجديدة في إدلب مساء الأحد قادة كانوا مرشحين لشغل مناصب في «اندماج» يجري الحديث عنه منذ فترة بين «فتح الشام» و «حركة أحرار الشام» وجماعات أخرى. وهناك من يقول إن إعلان الإندماج بات قريباً جداً، وسط معارضة لافتة ضمن قيادات «أحرار الشام» لسعي جزء أساسي من فصيلهم التوحد في إطار واحد مع تنظيم يُعتبر إرهابياً بحسب التصنيف الدولي («النصرة»).
وفي أنقرة (رويترز)، قال الجيش التركي أمس الإثنين إن طائرات حربية ومدفعية تركية قصفت أهدافا لتنظيم «داعش» في سورية فقتلت 22 من عناصره، فيما قصف الطيران الروسي المتشددين قرب مدينة الباب التي يسيطرون عليها في ريف حلب الشمالي الشرقي.
وفي استعراض لعملياته العسكرية خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية دعماً لفصائل المعارضة في شمال سورية، أضاف الجيش أن الطيران الروسي دمّر أهدافاً للتنظيم في منطقة دير قاق التي تقع على بعد ثمانية كيلومترات جنوب غربي الباب. وانطلقت العملية التركية العسكرية «درع الفرات» قبل أكثر من أربعة أشهر لإبعاد متشددي «داعش» عن منطقة الحدود. وتحاصر القوات التركية وفصائل «درع الفرات» مدينة الباب منذ أسابيع.
وفي باريس (رويترز)، دعت فرنسا أمس روسيا إلى وقف الأعمال العسكرية في سورية واحترام وقف إطلاق النار الهش الذي توسطت فيه موسكو وتركيا سعياً إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ نحو ست سنوات. وقال رئيس الوزراء برنار كازنوف لإذاعة فرانس إنتر: «ندين تماماً كل ما يمكن أن تقوم به روسيا في سورية وتكون من شأنه المساهمة في استمرار القتال». وتابع: «نأمل بأن تستمر المحادثات بين القوى السورية حتى يتماسك وقف إطلاق النار». وأضاف: «نطلب من الروس الكف عن المشاركة في العمليات العسكرية وهي عمليات قاتلة». ولم يحدد أي العمليات يشير إليها.
تعليمات أخيرة للطيارين الفرنسيين قبل انطلاقهم نحو مواقع «داعش» في سورية
من قاعدة جوية (الأردن) - أ ف ب «احذروا الصواريخ أرض-جو» و «يحظر عليكم الطيران في هذا القطاع بسبب الدفاعات الجوية الروسية»، هذه آخر التعليمات التي أعطيت لثلاثة من طياري المقاتلات الفرنسية «رافال» الذين كانوا على وشك الإقلاع من الأردن في مهمة نحو مواقع «داعش» في سورية.
وفي عرض أخير أمام خرائط معلّقة على الحائط، يراجع الطيارون الثلاثة كل المخاطر المحتملة لمهمتهم من التهديدات المعادية إلى المشاكل التقنية المحتملة. وهؤلاء الطيارون متمركزون في قاعدة جوية في الأردن.
في اليوم الأول من السنة الجديدة، ستتجه مقاتلتا «رافال» شمالاً إلى ثلاث مدن باتت مرادفاً لـ «داعش» في سورية: الرقة ودير الزور وتدمر، المدينة التاريخية التي انتزعها هذا التنظيم أخيراً من أيدي قوات النظام السورية.
ويقول الطيار الملقب بـ «تيتي» لوكالة «فرانس برس»: «سنتجه إلى سورية في مهمة استخبارية، وقد نشن ضربة».
ولا يكشف العسكريون الفرنسيون في الأردن كامل هوياتهم حرصاً على سلامتهم وسلامة أسرهم.
وسبق أن شنت طائرات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة غارات على تدمر بعد استيلاء «داعش» على كمية كبيرة من الأسلحة والذخائر خلّفها وراءهم الجنود السوريون.
ويقول مصدر فرنسي إن «داعش» استولى في المدينة الأثرية على عشرات الآليات وترسانة كبيرة، بما في ذلك منظومة دفاع جوي تحمل صواريخ يمكنها إسقاط الطائرات. وحذّر ضابط فرنسي الطيارين الثلاثة «ربما لديهم مدفعية أرض-جو» في تدمر. والدفاعات الجوية الأقوى يملكها النظام وحليفته روسيا. لكنها لا تستهدف طائرات التحالف، خوفاً من إصابة الطائرات الروسية في الأجواء المزدحمة.
وستركز المقاتلتان الفرنسيتان على مخابئ تحت الأرض وعلي أي تحرك محتمل لعناصر «داعش».
قبل الإقلاع، يتحقق الطيارون من حالة الطقس. ويقول أحد الضباط «منطقة عملكم واضحة إجمالاً». بعد ذلك يقومون بتحديد معايير المهمة، وهي نفسها التي توضع للعمليات الجوية التي تنفذها قوات التحالف الدولي في الدوحة بقطر.
ويقول «تيتي»: «نحن محظوظون اليوم، لقد حظينا بمزود للوقود في الجو».
ووسائل التزوّد بالوقود وخصوصاً بالنسبة إلى الطائرات الفرنسية، محدودة ويمكنها أن تؤثر على طبيعة المهمة. ويعلّق الطيار: «إذا أتيح لنا هامش سنمدد المهمة وسيكون ذلك مثيراً للاهتمام».
يستمع كل طيار إلى التعليمات بتركيز شديد. ويوصي «جوردي» زميله: «إذا ما حصل عطل ما في الراديو، عليك فقط أن تقترب مني وتلفت انتباهي».
ينتهي العرض فيغادر الطيارون لوضع اللمسات الأخيرة قبل الإقلاع.
ويقول «جوردي»: «في الوقت الراهن، نحن في وضح النهار ولكننا سنزود مناظير للرؤية الليلية وخرائط إلكترونية للمنطقة».
تنتهي الاستعدادات للمهمة وتبقى خمسون دقيقة قبل أن تقلع المقاتلتان. الطيارون يتأكدون من كل شيء للمرة الأخيرة قبل أن ينطلقوا إلى المعركة، إلى المجهول.
|