التاريخ: تشرين الثاني ٣٠, ٢٠١٠
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
مصر: تسريبات عن اكتساح الحزب الحاكم الانتخابات

القاهرة - من جمال فهمي   

امتنعت السلطات المصرية عن نفي او تأكيد الأخبار التي ظلت تتسرب طوال يوم أمس عن نتائج الدورة الاولى من الانتخابات النيابية، كاشفة اكتساحاً متوقعاً لمرشحي الحزب الوطني الحاكم في مقابل فوز بعض احزاب المعارضة الرسمية ببضعة مقاعد لم يزد عددها عن عشرة، خمسة منها كانت من نصيب حزب "الوفد" الليبرالي الذي شارك بنحو 220 مرشحاً، بينما نجح مرشح واحد لحزب التجمع اليساري.


أما جماعة الاخوان المسلمين، التي حققت في الانتخابات الأخيرة التي اشرف عليها القضاة عام 2005 اختراقا غير مسبوق، إذ ظفرت بـ 20 في المئة من مقاعد مجلس الشعب، فأعلنت ان "التزوير الواسع النطاق" الذي شهدته عمليات الاقتراع الأحد أدى الى خروجها من الجولة الاولى بحصاد صفري، لكن محامي "الإخوان" عبد المنعم عبد المقصود قال أن نحو25 من مرشحي الجماعة الـ 130 سيدخلون دورة الاعادة.


ولم تمر النتائج التي تسربت من دون مفاجآت، اهمها قرار القاضي الوحيد الذي يشرف على لجان الاقتراع في دائرة البرلس والحامول بمحافظة كفر الشيخ، على 180 كيلومتر شمال شرق القاهرة، استبعاد 24 من صناديق الاقتراع في الدائرة بعدما تأكد من تزوير كل الاوراق التي تحويها على أيدي انصار مرشح الحزب الحاكم عصام عبد الغفار، ثم أعلن القاضي ان الأخير حصل على اصوات اقل من منافسه النائب الحالي مؤسس "حزب الكرامة" المعارض حمدين صباحي وان المرشحين سيخوضان دورة الاعادة.


وكان صباحي اعلن بعد ظهر الأحد انسحابه من الانتخابات احتجاجا على "التزوير والبلطجة التي مارستها الاجهزة الامنية" ضده وضد انصاره و"اقتحامها لجان الاقتراع بالقوة وحشو الصناديق بآلاف البطاقات المزورة". فيما اعلن الرجل القوي في الحزب الحاكم الملياردير أحمد عز فور إقفال صناديق الاقتراع أن عبد الغفار "في طريقه الى الفوز بمقعد" النائب صباحي الذي أبلغ "النهار" أنه "غير معني" بالنتيجة التي أعلنت، وانه لا يزال "متمسكا بقرار الانسحاب بعدما كشف النظام نياته وتصميمه على تزوير إرادة الشعب واستمرار اغتصابه للسلطة".
ويذكر أن قانون الانتخاب المصري لا يعتد بأي تنازلات بعد الإعلان الرسمي النهائي لقوائم المرشحين.


وعلى رغم انتهاء عمليات الفرز مساء أمس في كل الدوائر الـ 222، فان اللجنة العليا للانتخابات أصرت على اعلان النتائج مجمعة اليوم، الامر الذي يعد سابقة تخالف ما كان معمولا به في الماضي أيام الاشراف القضائي الذي الغي بتعديل دستوري في 2007، إذ كان يسمح آنذاك لفريق القضاة المشرفين على كل دائرة باعلان نتيجة التصويت فور انتهاء عمليات الفرز ، وبدا لافتا أن وكالة انباء الشرق الاوسط "أ ش أ" لم تبث خبرا واحدا أمس عن نتائج الدوائر التي انتهى فيها الفرز.


الى ذلك، استمرت حتى صباح أمس اعمال العنف التي شهدتها لجان الاقتراع الأحد، فارتفع عدد ضحايا الدورة الأولى الى نحو عشرة قتلى وأكثر من 90 جريحاً. وأصدرت وزارة الداخلية بيانا قالت فيه إن أحد أنصار مرشح (ينتمي الى الحزب الحاكم) قاد سيارته بسرعة فائقة وسط حشود أنصار المرشح المنافس ودهس بضعة أشخاص مما أثار غضب الأهالي الذين اعترضوا السيارة واوقفوها وحاولوا الفتك بالسائق فأطلق الأخير النار من سلاحه وأردى اثنين.


وأعلن مكتب النائب العام المستشار عبد الحميد محمود أن النيابة العامة أمرت أمس وأول من أمس بتوقيف 93 شخصا على ذمة التحقيقات التي تجريها في جرائم تتعلق بارتكاب اعتداءات وأعمال عنف خلال عمليات الاقتراع والفرز.


وفيما أطلقت الصحف ووسائل الإعلام الحكومية على مشهد انتخابات الدورة الأولى ما سمته "عرس الديموقراطية"، أجمعت صحف المعارضة والصحف المستقلة على أن عمليات الاقتراع شهدت "تجاوزات وانتهاكات وحوادث بلطجة وتزوير لا حصر لها". وخرجت صحيفة حزب "الوفد" على قرائها بعنوان رئيسي يؤكد "فوز البلطجة وسقوط الدولة وهيبتها".
كما نشرت الصحف غير الحكومية عشرات التقارير المصورة عن عمليات التزوير التي جرت في مختلف الدوائر.


وكان تحالف المنظمات الحقوقية المحلية (123 منظمة) الذي تألف لمراقبة الانتخابات، عقد مؤتمرا صحافياً مشتركا مع ممثلي منظمة "هيومان رايتس ووتش" الاميركية ومنظمة العفو الدولية ، أعلنت فيه ما رصد من "انتهاكات ومخالفات صارخة" خلال عمليات الاقتراع.


وقال مدير "مركز القاهرة لحقوق الانسان" بهي الدين حسن ان "ما حدث (أول من أمس) لم يكن انتخابات وانما فوضى وبلطجة وعنفاً"، مشيرا الى "القيود الهائلة التي فرضتها أجهزة الأمن على فرق المراقبين المحليين ومنعهم من دخول الغالبية الساحقة من مراكز الاقتراع، تماما كما حدث مع مندوبي وكلاء المرشحين المعارضين في كل الدوائر بلا استثناء واحد".
وأكد رئيس المنظمة المصرية لحقوق الانسان حافظ ابو اسعده ان نسبة المقترعين "لم تتجاوز في حال من الاحوال ما بين 10 و15 في المئة" من مجمل من لهم حق الانتخاب وهم اكثر من 40 مليون ناخب، وشكك في نسبة المقترعين التي اعلنتها مصادر اللجنة الحكومية المشرفة على الانتخابات وهي 25 في المئة.


واعتبر نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال افريقيا في "هيومان رايتس ووتش" جو ستورك ان "العملية الانتخابية شهدت مخالفات لا حصر لها، منها اعمال اعتقال ومضايقات للصحفيين وحرمان مندوبي مرشحي المعارضة من دخول مكاتب الاقتراع، مع انتشار ادعاءات كثيرة عن اعمال تزوير لأصوات الناخبين... كل ذلك يوحي بأن المصريين حرموا المشاركة في انتخابات حرة". واضاف ستورك ان "السلطات والاجهزة الحكومية تبدو مسؤولة عن كل ما حدث".