التاريخ: كانون الأول ٢, ٢٠١٠
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
مصر: انسحاب "الوفد" و"الاخوان" من الانتخابات "احتجاجاً على التزوير"

القاهرة - من جمال فهمي

لم تمض سوى ساعات قليلة على الإعلان الرسمي لنتائج الدورة الاولى من الانتخابات النيابية المصرية، التي اكدت انتزاع الحزب الوطني الحاكم غالبية كاسحة زادت وضعه الاحتكاري في السلطتين التشريعية والتنفيذية تفاقماً في مقابل حصاد يقترب من الصفر لكل قوى المعارضة وتياراتها، حتى انفجرت هذه النتائج في وجه نظام الرئيس حسني مبارك صانعة ازمة سياسية حادة ومأزق شرعية نادراً، بعدما أعلنت عصر أمس أكبر قوتين في المعارضة بجناحيها الرسمي والمحجوب عن الشرعية، أي حزب "الوفد" الليبرالي وجماعة "الإخوان المسلمين"، انسحابهما التام من الانتخابات وعدم خوضهما دورة الاعادة المقرر اجراؤها الاحد المقبل احتجاجا على أعمال "التزوير والارهاب والعنف التي مارستها اجهزة الأمن وبلطجية الحزب الحاكم" في الدورة الاولى.


واعلن حزب "الوفد"، الذي لم يفلت من مرشحيه الـ 220 سوى اثنين، بينما وعد تسعة منهم بدخول دورة الاعادة، بعد اجتماع طارئ لهيئته العليا، ان الحزب قرر الانسحاب نهائيا من "مهزلة" إنتخابات مجلس الشعب وأن مرشحيه في الدورة الثانية ملزمون هذا القرار، أما المرشحان الفائزان فلن يكونا، اذا اختارا البقاء في المجلس، ممثلين للحزب.


كما اعلن عضو الهيئة العليا للحزب بهاء الدين ابو شقة عقب الاجتماع انه قرر الاستقالة من مجلس الشورى (الغرفة الثانية في البرلمان المصري) الذي حصل على عضويته بالتعيين في أيار الماضي "احتجاجا (على التزوير) واتساقا مع موقف الحزب".


وبعد دقائق من اذاعة قرار "الوفد"، وزعت جماعة "الاخوان المسلمين" بيانا جاء فيه أن "مجلس شورى الجماعة قرر بغالبية 72 في المئة من اعضائه الانسحاب من الانتخابات وعدم المشاركة في جولة الاعادة"، مؤكدا ان "الاخوان"، "يعتزمون الاستمرار في كل إجراءات الملاحقة القانونية للمزورين والمفسدين لابطال هذا المجلس المزور". واشار الى أن "ما حدث في يوم الانتخابات من تزوير وارهاب وعنف وصل حد التعدي على بعض القضاة والمستشارين مما جعلنا نعيد النظر في المشاركة في جولة الاعادة على رغم أن (للجماعة) 27 مرشحا ومرشحة" اعلنت اللجنة العليا للإنتخابات اسماؤهم ضمن قوائم المتنافسين في دورة الاقتراع الثانية.


وكان الحزب الحاكم اعلن فوزه بكل المقاعد التي حسمت المنافسة عليها في الدورة الاولى (219 مقعداً) عدا خمسة مقاعد تُركت لأحزاب المعارضة الرسمية التي رفضت الاستجابة لدعوات واسعة النطاق لمقاطعة انتخابات اتهمتها تيارات وحركات احتجاجية عدة بأنها "مزورة من المنبع" وسوف تجري بعدما سد تعديل دستوري تم تمريره عام 2007 ثغرة الاشراف القضائي المنقوص على الانتخابات والتي تسرب منها ما يزيد عن 100 نائب معارض الى مجلس الشعب المنتهية ولايته.


 وعلى رغم ان حزب "التجمع" اليساري الذي كان نصيبه من الدورة الأولى نجاح مرشح واحد من قائمة مرشحيه الـ 70 لم يجار حزب "الوفد" في قرار الانسحاب، بل أعلن رئيسه رفعت السعيد ان الحزب "سيبقى حجرا ثقيلا" على قلب الحزب الحاكم وسيواصل المشاركة باعضائه الخمسة المتبقين في دورة الاعادة، الا أن ردود الفعل الفورية في الأوساط السياسية المصرية على الاعلان المدوي عن خروج "الوفد" و"الاخوان" من مسيرة أكثر انتخابات اثارة للجدل والهجاء منذ تولى مبارك السلطة قبل ثلاثة عقود، كشفت حجم العطب الذي بدا وقد أصاب مباشرة العصب الحساس لشرعية نظام حكم ظل حريصا على تجميل صورته (لدى عواصم الغرب خصوصا) بمنظومة تعددية ضعيفة وشكلية، لكنها اكتسبت بطول الزمن قدراً لا بأس به من الأهمية.


غير أن قيادات الحزب الحاكم المستجدة، والتي صعدت خلال سنوات العقد الأخير سلم النفوذ والسلطة في معية جمال مبارك، أظهرت إستخفافا واضحاً بالأزمة إذ سارع أمين تنظيم الحزب الملياردير المقرب من نجل الرئيس المصري أحمد عز بالتعليق على قرار إنسحاب "الوفد" و"الإخوان المسلمين" من الانتخابات قائلا: "أنهم يعلقون فشلهم على شماعة الآخرين... نحن لسنا مسؤولين عن فشلهم".


على صعيد آخر، ردت القاهرة على الانتقادات الحادة التي وجهتها إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما أول من أمس"للطريقة التي أديرت بها الانتخابات النيابية في مصر"، واعتبر الناطق باسم وزارة الخارجية المصرية السفير حسام زكي البيانين اللذين أصدرهما البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية في هذا الموضوع"تدخلا غير مقبول في الشؤون الداخلية لمصر"، معربا عن "الاستياء مما تضمنه كلا البيانين من مغالطات واضحة ومزاعم حول تقييد الحريات الأساسية والإعلامية خلال العملية الإنتخابية". لكن زكي ختم تصريحاته بدعوة حارة "للدوائر الأميركية المهتمة بمتابعة الشأن المصري إلى توخي الحذر في مواقفها وردود أفعالها حتى لا نعطي الفرصة للمتربصين بالعلاقات الوثيقة بين البلدين".