|
على رغم الألم والتهجير والقهر ممّا شاب ولادة إسرائيل، والحروب التالية على نشأتها، وعلى رغم المعاناة التي وقعت على الفلسطينيّين، فإنّ هذه المسألة قبل الانتفاضات العربيّة غيرها بعدها. ذاك أنّ الوظيفة السياسيّة لطريقة الصراع مع الدولة العبريّة كانت جزءاً من تعزيز الوضع العربيّ القائم، فضلاً عن استخدام الشقاء الفلسطينيّ للغرض هذا.
في ذلك، كان ثمّة استغلال للكثير من الحقّ الفلسطينيّ وللكثير من كلام الحقّ الذي يراد به باطل. وفيه أيضاً التقت الرغبتان الإسرائيليّة والعربيّة عند إطالة النزاع وإسباغ الفرادة الجوهريّة عليه بما يجعله مستعصياً على الحلّ: الإسرائيليّون أرادوا ذلك لبلورة كيانهم ككيان مختلف في المنطقة، متفوّق عليها ورادع لها بقوّة السلاح. والعرب أرادوا الشيء نفسه كي يتجنّبوا التصدّي لبناء دول ومجتمعات، داعمين إنشاء مقاومة تسيطر عليها أنظمتهم فيما تتفجّر من جرّائها مجتمعاتهم أو يستولي عليها الاستبداد.
وعن لقاء الرغبتين نجمت صناعة النزاع بوصفه سلعة غير قابلة للصرف، وهذا ما كان يتبدّى في المحطّات التاريخيّة كلّها: العرب، بعد هزيمة 1967 المذلّة، طلعوا باللاءات الثلاث، وبعد الانسحاب من لبنان في 2000، زاد إصرارهم على المقاومة. والإسرائيليّون، بعد مدريد في 1991 وأوسلو في 1993، قابلوا التحوّل الفلسطينيّ الكبير بالإملاء والعنجهيّة والاستيطان. وتجدّد لقاء الرغبتين مع الانتفاضة الثانية، الكارثيّة بمقدّماتها كما بنتائجها، فانتهت عمليّاً القضيّة الفلسطينيّة في صيغتها المتداولة.
مع الانتفاضات تبيّن أنّ المسألة الفلسطينيّة – الإسرائيليّة ليست «الهمّ المركزيّ» للشعوب العربيّة. ولا يكفي قيام بضع مئات بهدم جدار السفارة الإسرائيليّة في القاهرة لإثبات العكس. لكنْ تبيّن أيضاً أنّ الحرّيّة والكرامة اللتين تسعى إليهما الشعوب العربيّة لا تستطيعان التعايش مع الإذلال والعنجهيّة والاستيطان نهجاً رسميّاً للدولة العبرية. بين هذين الحدّين اختارت حكومة نتانياهو وليبرمان الإمعان في النهج ذاته من دون الاكتراث بالتحوّل العربيّ الإيجابيّ ممثّلاً بالانكفاء إلى الهموم الفعليّة لدواخل البلدان المعنيّة. أكثر من هذا، علت نبرة الخوف والحذر الإسرائيليّين من الجديد العربيّ، فكان هذا استئنافاً لرفض الالتقاء عند نقطة مشتركة في ظروف مغايرة، أي استئنافاً لمبدأ جوهريّة الصراع وفرادته.
فاقم ذلك شعور إسرائيليّ مفاده التنصّل من أكلاف مرحلة الانتقال العربيّ. فالكائن الأعلى الذي حلّ مشكلته غير معنيّ بالكائنات الأدنى التي تتصارع لحلّ مشاكلها! إنّه ينتمي إلى دنيا مختلفة. وهذه إهانة صريحة أخرى قد يترتّب عليها رسم مستقبل أسود للمنطقة بعدما ساهمت في رسم ماضٍ أسود لها. فهي هديّة لا تُثمّن لقوى التطرّف التي تنوي تثبيت التاريخ في 1948 أو ربّما قبل ذلك. وهي تصويت لمصلحة إبقاء الخارجيّ يتحكّم بالداخليّ، وإبقاء الاستبداد متمكّناً من حياة المجتمعات العربيّة. لكنّ الانتقال من الشجرة الفلسطينيّة – الاسرائيليّة لرسم غابة المنطقة تبعاً لها هو الخطأ الأفدح الذي لا يتمنّى لنا نتانياهو إلاّ الوقوع فيه. فهناك قضايا خارج القضيّة وهناك حياة خارج الصراع. وأغلب الظنّ أنّ العرب إن لم يمضوا في بناء دول محترمة ومجتمعات حرّة تستطيع من موقعها هذا مفاوضة العالم، لن يستطيعوا مساعدة الفلسطينيّين على إقامة دولة محترمة ومجتمع حرّ.
|