التاريخ: أيلول ٢٨, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
عندما يترجل الماريشال - جمال فهمي

مساء الأثنين الماضي فاجأ رئيس المجلس العسكري الحاكم في مصر المشير حسين طنطاوي عابري السبيل في شارع "قصر النيل" التجاري المشهور في قلب القاهرة ، بأنه يترجل بينهم ويمر بين فرشات الباعة الصغار المنتشرين ببضائعهم الرخيصة على الأرصفة وقد خلع حلته العسكرية واستبدلها بزي مدني، كما بدا مجرداً عارياً (ظاهرياً على الأقل) من أية حراسة أو مرافقين عدا سكرتيره الشخصي.


طبعا لم يهنأ "الماريشال" طويلا بمتعة المشي البريء بين الناس إذ سرعان ما تعرف رفاق الرصيف على الرجل القوي الذي يلوذ بالصمت طوال الوقت حتى بعدما تجمعت في يديه كل مقاليد السلطة منذ سقوط حسني مبارك المدوي الشتاء الماضي... وفي لمح البصر تحلق عشرات البسطاء حوله وأخذ هو يصافح، بل ويحتضن من تيسر منهم ويوزع البسمات الدافئة الحميمة على الجميع.
هذا المشهد النادر في بلد تعود أن حاكمه "نصف إله" أو ربما أكثر، وجد ـ كما هو متوقع من يسجله مع أن الشارع والمنطقة كلها بدوا نظيفين وخاليين تماما من مصوري وسائل الإعلام ، لكن عدسات الهواتف المحمولة باتت في كل يد، وما أكثر الأيادي التي لن تدع لحظة أن مشى "الماريشال" بين الناس في الأسواق وهو متسربل بالبساطة والعادية، تمر هكذا من دون تسجيل وتصوير.. ومتى توافرت الصور فلا بد أن تجد طريقها بسرعة ملائمة الى وسائل الإعلام التي بدورها ستقوم بالواجب فورا وتحكي للملايين الحكاية المثيرة مشفوعة بما يلزم من تعليقات وإيحاءات.


ولكن من سوء الحظ أن السياسة لا تعرف كل هذه البراءة، وسلوك المتربعين على المسرح السياسي لا أحد يستطيع أن يبقيه منزها عن المرامي والأهداف، لهذا ما أن شاع خبر مشهد المشير وهو يترجل في الشارع حتى أنطلقت عاصفة هوجاء من التأويلات والتفسيرات أمتدت ساحتها من "الفضاء الألكتروني" حيث الشباب الذي يعتبر نفسه مفجر الثورة التي أطاحت مبارك، ووصلت إلى أوساط النخبة السياسية بكل أطيافها وتنوعاتها، الكل - تقريبا - أدلى بدلوه في تفسير المشهد وتأويله، فهناك من قال أن المشير أراد علاج صورته التي تضررت بشدة بسبب ما تسرب عن الشهادة التي أدلى بها الأسبوع الماضي أمام محكمة مبارك، تلك التي حاول فيها أن يرفع عن كاهل رئيسه السابق عبء تهمة قتل مئات المتظاهرين السلميين خلال الثورة.


أما التأويل الأكثر شيوعا وشعبية فملخصه أن رئيس المجلس العسكري كان يختبر ويجرب نفسه وهو يرفل علنا في زي مدني سيرتديه حكما بعد أشهر قليلة عندما يأتي أستحقاق الانتخابات الرئاسية ويكتشف كل اللاعبين الحاليين على المسرح السياسي أن "الماريشال" قرر أن ينفذ وعده ويسلم السلطة فعلا الى رئيس مدني، وأنه هو نفسه هذا الرئيس.