التاريخ: أيلول ٢٩, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
الانتفاضات العربية إلى أين؟ - هشام ملحم

الى أين وصلت الانتفاضات العربية منذ ان حرق محمد البوعزيزي نفسه، في ذلك اليوم البارد في سيدي بوزيد بتونس في 17 كانون الاول من العام الماضي، وحرق معه بعضا من ذلك العالم القاسي الذي كان يعيش فيه مع غيره من ملايين العرب؟ هذه انتفاضات لا احد يعرف بالتأكيد الى أين ستؤدي. وهي ليست ربيعا عربيا، لان هذا الوصف الذي استعاره محللون غربيون من "ربيع براغ" 1968 غير مناسب لان دبابات "مبدأ بريجنيف" سحقته. والذين يصرّون على هذا الوصف يجب ان يعترفوا بأن الربيع (السلمي أولا) سرعان ما تحول الى صيف حار بعد الرد الدموي للانظمة الحاكمة، وهو مرشح لان يتحول في بعض الدول الى شتاء قاتم. في سوريا واليمن وحتى البحرين، سوف يبقى شبح الاقتتال الاهلي خطرا حقيقيا يهدد المجتمعات لان من يقودونها الان مستعدون لجرها الى جحيم الحرب الاهلية.


هذه ليست ثورات، لان التغيير الذي حدث حتى الان في تونس ومصر لم يكن جذريا ولا يزال سياسيا ومحدودا ومنحصرا برأس الهرم القمعي، وليس بجسم الهرم وقاعدته، اذا قصدنا بذلك البنية الامنية والاقتصادية وحتى الثقافية التي سمحت لآخر فرعون في مصر بأن يحكمها ثلاثين عاما، ولزين العابدين بن علي بأن يحكم تونس 23 عاما. في ليبيا كان التغيير أعمق بعض الشيء، لمجرد ان سقوط القذافي ولجانه البدائية ادى الى سقوط نظام "الجماهيرية" الهش. في هذه الدول الثلاث لا وجود لحزب ثوري يطرح بدائل جذرية ويقوده زعيم كاريزماتي مدفوعا برؤية ثورية للمجتمع.
وحدها تونس مرشحة لان تمشي على طريق تغيير تدريجي وسلمي في ظل حكومة أكثر تمثيلا للشعب، وذلك نتيجة ضعف المؤسسة العسكرية فيها ، ولان تونس صغيرة ومجتمعها متجانس، ومتقدم اقتصاديا واجتماعيا على جيرانه،وللمرأة فيه حقوق راسخة وتقاليد "علمانية" يفتقر اليها اكثر الدول العربية. وتبين مختلف المؤشرات ان ليبيا سوف تتخبط في طريقها للخروج من حقبة القذافي وهي تحاول التوفيق بين الاعتبارات الجهوية والسياسية والايديولوجية وحتى الشخصية المتناقضة لقياداتها.


وليس من المبالغة القول ان الاوضاع في مصر تبين ان هناك "انتفاضة مضادة" لجوهر المبادئ الديموقراطية التي نادى بها شباب مصر في البداية، يقودها ائتلاف غير رسمي من المجلس الاعلى للقوات المسلحة، والتيار السلفي الاسلامي. الجيش المصري لا يريد ان يحكم مباشرة، لكنه يريد الاضطلاع بدور سياسي قوي في الخلفية والحفاظ على مصالحه الاقتصادية الواسعة.هذا الائتلاف يستفيد من حال الفوضى وضعف المؤسسات، وتجذر التقاليد الاجتماعية -الثقافية والتعصب الديني والطائفي.
سوف يعيش العرب في ظل هذه الانتفاضات وقتاً طويلاً، قبل ان تتضح معالم القوس التاريخي الذي تسير عليه مجتمعاتهم منذ اللحظة التي اشعل فيها البوعزيزي النار، في ذلك اليوم البارد.