التاريخ: تشرين الأول ٥, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
عاقبة الطمع - جمال فهمي

بعد لأي وضغط عظيمين أضطر المجلس العسكري الحاكم في مصر الى أن يفرج الأسبوع الماضي عن أول استحقاق في المسار المعقد الذي رسمه هو (بمباركة وحيدة من جماعة "الإخوان المسلمين" وأتباعها) لنقل السلطة إلى مؤسسات حكم مدنية منتخبة .
وأخيرا ضرب الجنرالات موعدا محددا لانتخابات نيابية يفترض أن تبدأ مسيرتها بعد أقل من أسبوعين، ومع ذلك لا يزال الغموض والارتباك يخيمان على المشهد سواء من حيث استمرار الخلاف والجدل الصاخب في شأن نوع النظام الانتخابي الذي ستجرى عمليات الاقتراع على أساسه نتيجة إصرار العسكر على ترك ثغرة في نظام الانتخاب بالقائمة النسبية للنظام الفردي القديم كي يمر بعض "القدماء" ولو في حدود ثلث مقاعد البرلمان... أم من حيث اسهام هذا الخلاف نفسه اسهاما إسهاما مباشرا في إرباك تحالفات إنتخابية هي أصلا هشة ومتعجلة ولا تستند إلى أي أساس فكري أو سياسي، وإنما فضحت صورتها العشوائية نوازع الطمع الخالص التي دفعت أفرقاء مختلفين بفحش في الأحجام والأوزان ولا رابط واحدا يجمعهم، إلى الأنحشار معا.


والحال أن اللاعبين على المسرح السياسي المصري الراهن توزعوا منذ بدأ الحديث قبل أسابيع عن انتخابات أول برلمان بعد الثورة على نظام حسني مبارك على تجمعين رئيسيين لم يعكسا طبيعة الأنشطار الذي فرز مبكرا هؤلاء اللاعبين وقسمهم معسكرين متناقضين، أولهما معسكر جمع القوى الدينية حصرا، والثاني لملم السياسيين العلمانيين طرا، لكن الأطماع قلبت الوضع رأسا على عقب فانتقل الليبرالي فجأة إلى أحضان جماعة "الإخوان" وفي المقابل اضطر اليساري الى التحالف مع من هم في أقصى اليمين.
غير أن الأطماع لم تكن دوما من جنس واحد، فبينما طمع "الإخوان" في الاستعانة بغطاء أو "محلل" مدني يقلل مستوى الاستفزاز، وربما المخاطر التي قد يستدعيها اصطفاف الإسلاميين في لائحة انتخابية تخصهم وحدهم، فإن أطماع الذين هرولوا اليهم كانت أن يحملوهم على جناح قوتهم التنظيمية وضخامتهم العددية إلى مقاعد في البرلمان ليس في الإمكان حصدها اعتمادا على القدرات الذاتية فحسب .


ولأن الطمع بطبيعته يبدأ متواضعا ثم يتفاقم ويتضخم حتى يلامس حدود الوهم فإن حزب "الوفد" الذي يفترض أنه عنوان الليبرالية المصرية تاريخيا، كان أول المهرولين نحو تحالف انتخابي مع الإخوان، ولكن عندما بدأ يجهز قائمة مرشحيه أكتشف أن التحالف مع الجماعة فتح شهية عدد كبير جدا من أعضائه، كلهم تضخمت طموحاتهم حتى نسوا أن لائحة يتشارك فيها 46 حزبا وحركة لا يمكن أن تستوعبهم، وأمام هذه الحقيقة هجر "الوفد"التحالف تاركا خلفه شركاء صغارا تعساء يكابدون الآن حيرة الاختيار بين البقاء في قفص "الإخوان" أو البحث عن فرصة أخرى.