|
قائمة طويلة جداً من التحديات تنتظر مجلس الشعب (البرلمان) المصري الذي استهل أولى جلساته يوم الإثنين 23 كانون الثاني (يناير) الجاري. مجموعة من أساتذة السياسة والساسة والإعلاميين اجتمعت في مقر الجامعة الأميركية في القاهرة لمناقشة الآفاق والتحديات والتحالفات الاستراتيجية في هذا البرلمان الوليد.
هناك من رأى التحدي الرئيسي في دور المؤسسة العسكرية، وهناك من أكد أن التحدي الرئيسي يكمن في ضعف القدرة التمثيلية للبرلمان الحالي الذي لا يعكس الخريطة السياسية الحقيقية لمصر، ومنهم من اعتبر البرلمان مسؤولاً عن عملية الربط الضرورية بينه وبين الثورة التي لم تكتمل بعد. أستاذ الاقتصاد السياسي وعضو الحزب المصري الديموقراطي الدكتور سامر سليمان اعتبر أن «البرلمان لا يمـــثل الخــريطة السياسية في مصر في شكل جيـــد، فنســبة تمـــثيل المرأة في مجلس الشعب واحد في المئة فقط، كذلك الحــال بالنسبة إلى الأقباط الذين لا يزيد تمثيلهم على واحد في المئة».
وعلى رغم التمثيل «الجيد» للإخوان المسلمين في البرلمان، إلا أن الجلسة الأولى استمرت في الداخل والكثير من القوى السياسية حول المبنى لأنها غير ممثلة في الداخل. عدم التمثيل هذا يرجعه كثيرون لانشغال الكثيرين من شباب الثورة والمنتمين للتيارات الليبرالية بالأحاديث التلفزيونية والتـــناحرات الداخلية، في حين ركزت التيارات الإســلامية على استكمال العـــمل على أرض الواقع، أي الشارع. ويـــرى سليمان أن «المشكلة الحقيقية تكمن في قانون الانتخابات، فمــــثلاً في حين لا يسمح القانون بتأسيس أحزاب على أساس ديني سمح بتأسيسها على مرجعية دينية، ومن هنا تأسست أحزاب ذات طــــابع دينـــي مثل حــزب «النور» الســلفي، وجــاء الأداء الانتــخابي طائفــياً بامتيـاز».
واعتبرت أستاذ مساعد العلوم السياسية والناشطة السياسية الدكتورة رباب المهدي التحدي الأكبر للبرلمان هو ربطه بالمسار الثوري، إذ ينبغي أن يكون البرلمان انعكاساً للميادين المصرية على مدار عام مضى. وفي الوقت الذي لا ترى فيه المهدي معضلة كبيرة في التمثيل البرلماني، تعتبر عملية إخراج المؤسسة العسكرية من السياسة معضلة حقيقية: «يجب أن يكون هناك مسار واضح لانتقال السلطة، والتعجيل بانتخابات رئيس الجمهورية. يجب أن يعمل البرلمان لإخراج المؤسسة العسكرية في شكل عميق ومدروس، لا سيما أنها تمثل دولة في داخل دولة، وهذا يتنافى وأبسط قواعد الديموقراطية».
البرلمان والشارع قواعد الديموقراطية تتطلب كذلك تحقيق تلازم بين البرلمان الجديد والشارع، لا سيما في ظل وجود شارعين متوازيين في مصر الجديدة. أستاذ السياسة العامة والإدارة وعضو البرلمان المصري الدكتور عمرو حمزاوي يرى أن ذلك هو التحدي الحقيقي الأكبر. «هناك الشارع الثوري الذي رفع الشعارات الثورية وأبرزها المطالبة بسيادة القانون وإعادة تعريف موقع المؤسسة العسكرية، وهناك الشارع المهموم بالظروف الحياتية اليومية ويعنيه في شكل واضح تماسك مؤسسات الدولة، وعلى البرلمان الجديد تحقيق التلازم مع كليهما». وعلى رغم أن حمزاوي يرى أن العملية الانتخابية في مجملها لم تكن مزورة، إلا أن الصراع الانتخابي فيها تحول إلى صراع على الهوية.
صراع من نوع آخر تدور رحاه في البرلمان المصري وهو صراع مع الزمن، فإذا كان المصريون يرون أن الحـــكومة الحالية موقتة، فـــإن على البرلمان أن يبـــدأ العمل الحقيـــقي فوراً. «المشكلة أن مجلس الشــعب بـــتركيبته الحالية قد يقع في محظور إهدار الوقت الثمين في التوافق وعمل التحالفات».
وبالطبع فإن التحالفات هي كلمة السر في هذا البرلمان. يقول الدكتور سامر سليمان: «حزب الحرية والعدالة لا يميل إلى التحالف مع السلفيين داخل البرلمان، إلا أن ذلك التحالف قد يفرض نفسه حال طرح قضايا بعينها، لأن الإخوان لديهم قواعد وثوابت سلفية. إلا أن قضايا حياتية ومصيرية مثل الخبز والأمن ستفرض نفسها بالضرورة على نوعية التحالفات، لأن القضايا المتعلقة بلباس المرأة والخمور لن تتمكن من البقاء دائماً على رأس الأولويات».
وتخوض الدكتورة رباب المهدي في ما هو أعمق في مسألة التحالفات، وتطالب بتحديد اللاعبين الرئيسيين في أي تحالف بالإضافة إلى تعريف منظومة الحكم. فهناك المؤسسة العسكرية، والقوى السياسية الممثلة في البرلمان، بالإضافة إلى الجماهير وهي الطرف الذي لم يكن موجوداً على الساحة السياسية على مدى عقود طويلة.
اعادة تعريف الدولة المدنية وفي الوقت الذي قد ينشغل فيه البعض ويشغلون آخرين معهم بالنقاب والبيكيني، فإن البعض الآخر سينشغل بقضايا مثل الدستور والمواطنة والعدالة الاجتماعية وتطهير أجهزة الدولة. يقول حمزاوي إن هناك حاجة ماسة إلى إعادة تعريف الدولة المدنية التي تقوم على أسس المواطنة والحقوق والواجبات المتساوية، ولا أحد يتكلم عن حجم ونوعية الدور الذي تلعبه كل من المؤسسة العسكرية والأمنية، وإخضاع كليهما للإشراف والرقابة تدريجياً. إلا أن الدكتورة رباب المهدي ترى أن التجارب الثورية التاريخية تشير إلى أن إخراج العسكر من منظومة الحكم عقب الانتخابات عادة تؤتي النتائج الأفضل لأنها تدق على الحديد وهو ساخن. واستخدمت مثالاً هو حملة «كاذبون» الذي ينظمها بعض الشباب لما يسمونه «عرض انتهاكات العسكر». وتضيف: «لكن مثل هذه الجهود يجب أن تستثمر سريعاً وإلا تبددت الفرصة بمرور الوقت».
وفي هذا الصدد تؤكد المهدي معارضتها ما يسمى «الخروج الآمن» للمجلس العسكري، مؤكدة أن البرلمان لديه القدرة على أن يجاهر بكلمة «لا» للمجلس العسكري، إلا أن بعض القوى السياسية ليست لديها الرغبة في ذلك». ويدق الدكتور سامر سليمان على الوتر نفسه، مؤكداً أن شرعية المجلس العسكري هي شرعية الأمر الواقع، وليست شرعية الشارع. وبنبرة أهدأ يتحدث حمزاوي عن عدم رغبة البرلمان في إخراج القوات المسلحة من منظومة الدولة المصرية، لكن المطلوب وضعها في سياق ديموقراطي.
ويخطئ من يعتقد أن البرلمان القادم لن يتناول إلا القضايا الكبرى فقط، بل عليه أن يهتم بكل ما يهم المصريين، بما في ذلك قوانين الطفل والأمومة والتي تحاول قوى سياسية هدمها، بالإضافة إلى حرية الفكر ودور الأزهر. يقول حمزاوي: «أدعو الرأي العام إلى الاهتمام بشتى القضايا التي تهم المصريين جنباً إلى جنب مع الدستور ونقل السلطة وغيرها». ووفقاً لحمزاوي فإن تحقيق التلازم بين مجلس الشعب ومتطلبات الشعب المصري، بالإضافة إلى تماسك مؤسسات الدولة هي من أخطر التحديات التي تواجه البرلمان، بالإضافة إلى عوامل تحدي الزمن، وغياب الوسط في المعادلة السياسية المصرية، وافتقاد المهنية وضمان الشفافية.
|