التاريخ: شباط ٧, ٢٠١٢
المصدر: جريدة الحياة
إشارات إلى المستقبل بعد سنة على الثورات العربية - روجر اوين

تقدّم الذكرى الأولى لانطلاق الثورات العربية، صورة متنوّعة عن الحركات الشعبية الموجودة في الشرق العربي التي حقّقت نجاحاً كبيراً في مصر وفي الدولتين المجاورتين لها أي ليبيا وتونس، حتى لو أنّ هذه الأحداث لم تكن على قدر توقعات عدد كبير من الأشخاص، الأمر الذي غالباً ما يحصل في التاريخ البشري. ويجب في مرحلة معيّنة، إدخال هذه الثورات ضمن مؤسسات محدّدة. فقد بعثت المحاولات المستمرة للقيام بذلك من خلال انتخاب مجلس تأسيسي يعمل على وضع الإرشادات لنظام مستقبلي أكثر تعددية، بإشارات واضحة إلى ما قد يحصل في المستقبل القريب.


لنبدأ بالانتخابات. برزت القوانين الانتخابية في كلّ من مصر وتونس عقب اتخاذ قرارات متسرعة من دون أي نية واضحة على ما يبدو لتفضيل أيّ من الأحزاب المتنافسة. ولو قامت هذه القوانين على التمييز بين الأفرقاء لكانت صعّبت على الأرجح إمكانية حصول الأحزاب الدينية على الأكثرية، علماً أنه تمّ تفسير نظام القوائم النسبية الذي اعتُمد في تونس على هذا النحو. لكنّ تأثيرها لم يكن كذلك في أيّ من الحالتين، إذ لم يعد من المرجّح تعديلها في المستقبل القريب، لا سيما أنّ «الإخوان المسلمين» وحزب «النهضة» سيسرّون بترك الأمور على ما هي عليه. غير أنّ ما يستدعي عناء التنبّه إليه خلال الفترة التي تسبق الانتخابات المستقبلية هو التغيرات المحتملة في القواعد المتّبعة حالياً لإجراء الانتخابات على صعيد كمية الأموال التي سينفقها كلّ مرشح وشكل الدعاية السياسية إلى جانب الطريقة التي ستخضع فيها عملية الاقتراع لمراقبين حياديين.


أظهرت الانتخابات بوضوح أنّها وسيلة فاعلة لإبعاد الشباب الذين أطلقوا الثورات العربية عن النشاط السياسي بغض النظر عن النظام المعتمد. إذ يبدو أنهم يفتقرون إلى المهارات الانتخابية إلى حدّ أنه لا يمكنهم التواجد في البرلمانات الجديدة. ولم يكن سهلاً عليهم التخلّي عن رغبتهم في إجراء إصلاحات جذرية على النظام القديم بهدف تلبية مطالب السياسة الانتخابية على المدى القصير وحاجتها إلى شعارات بسيطة وحلول فورية. فمن جهة، يتطلب إنشاء أنظمة جديدة للسياسة والقانون والتربية عقوداً عديدة من العمل. ومن جهة أخرى، لم يكن الوقت كافياً للتفكير في هذا العمل من خلال أوراق تقدير المواقف أو حتى من خلال إنشاء منظمات بحث مؤسساتية لا تعتمد كثيراً على الدعم الخارجي أو على المال الخارجي إلا إذا أتيا من العالم العربي.


ومن ثم، نصل إلى الاقتصاد وإلى الحاجة إلى معالجة مسألتين طارئتين: المسألة الأولى هي ما يجب فعله بالمقتنيات التي كان يملكها أصدقاء حسني مبارك أو بن علي الفاسدين الذين فروا أو سجنوا. والمسألة الثانية هي كيفية إنشاء بيئة مستقرة تشجع الاستثمار الخارجي الخاص وتنشئ الثقة بين الحكومات الأجنبية ومنظمات المساعدة بأنه سيتمّ استخدام الأموال الممنوحة بشكل مناسب.


وفي ما يتعلّق بليبيا، فإنّ المحاولة الأولى التي تمت خلال كتابة مسودة قانون انتخابي، لإرساء مجلس تأسيسي مؤلف من مئتي عضو، أدّت إلى اندلاع احتجاجات عامة لا سيّما في بنغازي أولاً لأنه أنشئ من دون استشارة عامة وثانياً لأن القواعد التي تنص على أنّ الفائز يأخذ الكل ستدفع البعض إلى التصويت للمرشحين القبليين أو لأشخاص محليين معروفين. ويصعب الجزم بأن هذا هو الهدف من ذلك. لكن من الممكن القول أنّ تسهيل انتخاب الزعماء القبليين أو المواطنين الأثرياء البارزين يهدف إلى إبقاء أعضاء المجموعات الدينية المتشدّدة خارج المعادلة. وعلى أيّ حال، بما أنّ عدداً كبيراً من الأشخاص مطلع على الجغرافيا الانتخابية للدول الأفريقية الشمالية، فلا يسع أحداً القول أي نظام سيفيد الطابع الاجتماعي أو الديني لمجموعة عقائدية.


وإذا انتقلنا إلى التفكير المصري والتونسي حول النظام الدستوري، يفضّل البعض تطوير نظام رئاسي وبرلماني تعدّدي إلى جانب إطلاق نقاش حول سلطات الرئيس في ما يتعلّق بحقه في اختيار رئيس الحكومة من بين أعضاء مجلس جديد وبقدرته على حلّّ هذا المجلس بنفسه. وفي مصر، حيث تحتل هذه النقاط أهمية كبرى بالنسبة إلى الجيش و»الإخوان المسلمين»، قد تكون السلطات الرئاسية أوسع من تلك التي ستقوم في تونس من أجل حماية الجيش من الرقابة البرلمانية الشديدة. من جهة أخرى، من المتوقّع أن يختار التونسيون الذين عانوا بشكل واضح من ادعاءات بن علي القوية، رئيساً ضعيفاً يحظى بحماية شرعية إضافية ضد أي إساءة لحقوق الإنسان من قبل المحاكم.


ويمكن القول إنّ الناس في سائر الدول العربية سيشاهدون حصول هذه التجربة في أنظمة حكم جديدة. ويعدّ المفهوم القائل بأنّ الثورات تليها انتخابات شعبية لحكومات جديدة وترتيبات دستورية جديدة مثيراً للاهتمام. إلا أنّ ذلك يحمل المرء إلى ميادين محفوفة بالخطر أحياناً. فيجب إدارة البرلمانات وتطوير أشكال جديدة من العلاقات الاقتصادية بين الحكومة والناخبين بعد الإطاحة بعقد اجتماعي قديم يضمن فرص العمل والتربية والعناية الصحية للجميع. وسيتضمّن ذلك كفايات سياسية بما فيها القدرة على إرساء الائتلافات وإنشاء مؤسسات جديدة، الأمر الذي نادراً ما حصل خلال العقود الأخيرة على حكم الرؤساء الاستبداديين على مدى الحياة.


لنأمل في أن يتمكن التونسيون والمصريون وقريباً الليبيون من النجاح حتى يتحوّلوا إلى أمثلة تحتذي بها سائر أنحاء العالم العربي. وحينها فقط يمكن التحدّث عمّا سمّاه جون ألترمان «العقد» العربي الذي تنتج فيه الثورات الشعبية بنية مستقرة للحكومة العامة تكون موضع حسد في أنحاء أخرى من العالم الأفريقي- الآسيوي.


* أكاديمي بريطاني - جامعة هارفارد