|
قد يكون مهمّاً ما قاله عمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح في تلك المناظرة التلفزيونيّة في القاهرة. لكنّ ما هو أهمّ من ذلك بكثير أنّ المساجلة التلفزيونيّة بين المرشّحين الرئاسيّين في مصر قد حصلت على مرأى الملايين ومسمعهم.
يكفي لتقدير ذلك أن نتذكّر أنّ مصر، منذ 1952، محكومة بالزعيم الأوحد الذي يوجّه السلطة والقرار بحسب رأيه ومزاجه، فيما الانتخابات إمّا معدومة أو معروفة النتائج سلفاً.
وهذا انتقال نوعيّ هائل بدأت تُحدثه ثورة يناير 2011، انتقالٌ يسهّل احتمال العوارض السلبيّة التي طفت مع الثورة بعدما كبتها النظام طويلاً، وكان يفاقمها في الخفاء.
والانتقال هذا هو تحوّل في مصادر التأثّر والاستلهام السياسيّين: فمع جمال عبد الناصر نشأ استلهام للنموذجين الفاشيّ والستالينيّ (زعيم خالد، تنظيم واحد...)، تكتّم عليه الزعيم المصريّ الراحل. ولئن خفّفه لاحقاً كلّ من وريثيه أنور السادات وحسني مبارك، إلاّ أنّهما حافظا على روحيّته وعلى المنطق العامّ لاشتغاله. لكنْ بمجرّد أن تُجرى انتخابات رئاسيّة، بعد الانتخابات البرلمانيّة، في مصر، فهذا دليل على أنّ مصادر الاستلهام صارت بلدان الغرب الديموقراطيّ البرلمانيّ. بل إنّ مجرّد إجراء مناظرة تلفزيونيّة يعني أنّ النموذج الأميركيّ تحديداً صار موضع اقتداء وتمثّل.
والحال أنّ بعض المصريّين والعرب لا يزالون يشعرون بالحرج حيال الاعتراف بهذا التأثّر الواضح، علماً بأنّ النموذج الأميركيّ، في هذا الجانب على الأقلّ، صار عالميّاً. لكنّ عقد المناظرة يعني أنّنا باشرنا الخروج من سياسات الخلط القاتلة التي دفعتنا لأن نكره النموذج الأميركيّ بسبب خلاف سياسيّ مع أميركا، كما جعلتنا نشيح بأوجهنا عن الديموقراطيّة لأنّ الغرب "الاستعماريّ" الذي يدعم إسرائيل ديموقراطيّ!
لقد بدأت الثورة المصريّة تطرح ثمارها. وهذا خبر يحمل على السرور والتفاؤل، على رغم كلّ شيء آخر. وحين يتمكّن المصريّون من إنجاز مهمّتهم الصعبة، أي تصليب حياتهم السياسيّة ومؤسّساتهم الديموقراطيّة، تتقلّص المخاطر التي تطلّ برأسها اليوم، أكان اسمها سلفيّة أو إخوانيّة أو أيّ شيء آخر. أمّا أثر ذلك على العالم العربيّ فسيكون كبيراً من دون شكّ: فتماماً كما أثّرت الناصريّة عربيّاً في الوجهة اللاعقلانيّة والهوجاء، يحقّ لنا الآن أن نعوّل على تأثير عقلانيّ في الوجهة المعاكسة.
فمن قال إنّ هذا الجزء من العالم سوف يبقى، إلى ما لا نهاية، غارقاً في قضايا لا تهمّ سائر العالم، ومنقطعاً عن القضايا التي تهمّه؟
|