التاريخ: أيار ٢٠, ٢٠١٢
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
السلفية، إذا أردتموها، هي العودة الى حرية الفرد - حسين الحسيني
كثيراً ما نتحدث هذه الايام عن واجب الفرد تجاه الجماعة، وقلّما نتحدث عن واجب الجماعة تجاه الفرد. نريد من الفرد أن يكون خالصاً لجماعته، وذلك من طلبنا عصبيّة المشاعر العمياء الى طلبنا درجة الشهادة بالجسد. لكننا لا نذكر إلاّ قليلاً ما على الجماعة أن تقدمه لذلك الفرد، وإذا ذكرنا فالأفضل أن يكون بعد غيابه، ولصفات نبيّنها أو نُضمرها وخلاصتها مصلحة الجماعة المفترضة.

لكن هذه الصورة تبقى ناقصة إذا لم نذكر ايضاً أننا في الواقع، وفي هذا الموقف، كثيراً ما نختصر الجماعة بفرد واحد أوحد، كأن الجماعة ليست سوى جسد ذلك الفرد، الذي هو الزعيم أو القائد أو الحاكم أو الوسيط، يتحرك إذا تحرّك، ويسكن إذا سكن.

وبدلاً من القدرة الحقيقية للجماعة، نجد عبادة الذات الجماعية، عبر ذلك الوسيط الذي هو الشخص أو الحزب أو المذهب. والخلاصة في هذا كله ما نراه في بلادنا العربية من خلل وعجز.
لا عجز الجماعة وحدها أو الفرد وحده بل عجزهما معاً، والخلل إنما هو خلل العلاقة بينهما لصالح طرف ثالث، دخيل أو مغتصب، هو الزعيم الأوحد، أو القائد الملهم، أو الحاكم المطلق، أو الوسيط المفوّض من الله أو الانسانية أو الأمة أو التاريخ.

لكن هذه الصورة تبقى ناقصة إذا لم نذكر ايضاً اننا في الواقع، وفي هذا الموقف، وبنتيجة ذلك الخلل، ما نشهده هو لا انسحاق الفرد اجتماعياً فحسب، بل أنانيته المفرطة نفسياً، تعويضاً من انسحاقه الاجتماعي، ما نشهده هو لا استبداد الجماعة فحسب، بل عجزها عن التكيّف مع الحوادث، ثمناً لفقدانها موارد ابتكار الحلول الناجم عن انسحاب الفرد من جهة، وأنانيته المفرطة من جهة ثانية.
ما نشهده هو لا كلية القدرة للحاكم المطلق، بل صغارته المطلقة تجاه التحديات، ثمناً لقيام حكمه على أساس عجز الجماعة والفرد على حد سواء.
شيء وحيد بسيط يلزمنا للبدء في مواجهة هذا الخلل، وهو أن نسلّم بأن الفرد لا يحتاج الى وسيط بينه وبين ربّه أو إنسانيته أو أمّته أو تاريخه.

شيء بسيط يلزمنا للبدء في مواجهة هذا الخلل، وهو أن نعي أن العلاقة بين الفرد والجماعة ليست علاقة ثنائية تقتصر عليهما، بل هي بالضرورة ثلاثية، إذ إنها تضم اليهما الطرف الثالث الأصيل، الذي هو الله أو الانسانية أو الأمة أو التاريخ، وبلا وساطة أي وسيط، سوى العقل من جهة الفرد، والعدل والإحسان من جهة الجماعة.

هذا أول ما تدفعني الى ذكره ذكرى الفرد الصالح الذي هو صبحي المحمصاني، ذكرى علمه وذكرى عمله. الأمر الثاني الذي تستدعيه هذه الذكرى هو ما يعمّنا جميعاً من القلق. قلق المسلمين في العالم، وقلق المسيحيين في عالم المسلمين، وقلق الشيعة والسنّة في عالم العرب. هذا الأمر الثاني هو حقيقة الشريعة.

لقد بذل صبحي المحمصاني، العالم بالقوانين الوضعية، غاية الجهد في إيضاح معنى الشريعة الإسلامية، التي كان يعرفها حق المعرفة، بالدراية لا بالرواية، بالعقل لا بالهلوسات، بالنزاهة لا بالتعصّب.

إن من يقرأ ما تركه لنا من الكتب والأحاديث والمحاضرات، يصل الى الخلاصة في هذه الحقيقة. وأول هذه الخلاصة ليس سوى تجسيد لهذه الآية في سورة النور الحافلة بالأحكام العملية: "الله نور السموات والارض، مَثَلُ نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء، ويضرب الله الأمثال للناس، والله بكل شيء عليم". صدق الله العظيم.

فالشريعة في الأصل وفي الغاية إنما هي الطريق وليس الحاجز. وهذا ما يفوت المتزمّتين من جميع الأديان والمذاهب، كما يفوتهم قوله: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربك...".

وإنه لأمر عجيب حقاً لمن يرى نفسه مؤمناً، أو يرى نفسه من الفرقة الناجية التي رحمها ربها، ويجد من نفسه هذه القسوة، في القول وفي العمل، تجاه من لم ينعموا، في اعتقاده، بذلك الايمان أو لم  تشملهم تلك الرحمة. كأن مشيئته فوق مشيئة ربّه، أو كأن رحمته أوسع من رحمته، إذ يعمد الى الإكراه في الدين، وبخلاف النص على امتناع هذا الإكراه أو تحريمه.

لم يكن صبحي المحمصاني، اللبناني العربي، المسلم السني المؤمن، يجهل ما بين المسلمين والمسيحيين او ما بين السنّة والشيعة من اختلافات. ولم يكن بمعرفته يطمس تلك الاختلافات او يستهين بما فيها من الفروق والتعدد. لكنه كان يضعها في موضعها الصحيح، وهو الموضع الذي يعيّنه لها ايمانه الصحيح، الايمان الصحيح المقترن بالعلم والتواضع.

لقد عمد صبحي المحمصاني، في ما رأى، الى ابراز مثلين اثنين جدير بنا ان نشير اليهما في ذكراه: المثل الاول هو مثل امام المالكية، مالك بن انس، مفتي الحرمين وإمام المدينة التي ولد فيها وأقام ومات. اذ رفض ما عرضه عليه الخليفة العباسي من فرض رأيه على كل المسلمين في كل الاقطار، وهو الذي قيل فيه: "أيفتى ومالك في المدينة"؟
والمثل الثاني هو مثل الامام الاوزاعي المولود في بعلبك والمقيم في بيروت، الذي وقف في وجه الوالي العباسي. اذ اراد ايقاع العقوبة الجماعية بالمسيحيين في جبل لبنان، لذنب قد اقترفه بعضهم مستندا الى الآية التي هي اصل الاصول التي يتوجب علينا العودة اليه في كل الاوقات، وخصوصا في هذه الاوقات: "ولا تزر وازرة وزر اخرى".

كلمة اختارها ختاماً لكلامي في ذكرى صبحي المحمصاني، كلمة موجّهة الى كل اصولي او سلفي مسلم او مسيحي، شيعي او سنّي: الأصولية او السلفية، اذا اردتموها فهي بالعودة الى هذا الاصل، حرية الفرد وبالتالي مسؤوليته. ومن هذه الحرية تستمد الجماعة حرية حركتها الذاتية، وبالتالي قدرتها على مواجهة التحديات المتجددة. ولولا هذه وتلك، لما كان للعرب اصلا اي دور يعتد به في تاريخ العالم.

وبهذا المعنى اود المصارحة بأنني اصولي وسلفي الى ابعد حد. كما اود أن المصارحة بأن ما نراه من دعوات وأعمال تحمل هذا الاسم، انما هي دعوات وأعمال ابعد شيء عن حقيقة الايمان والفلاح، لا عن الانسانية فحسب.

ألقيت في جمعية متخرجي المقاصد الخيرية الاسلامية بذكرى صبحي المحمصاني (14/ 5/ 2012).

رئيس مجلس النواب سابقاً