التاريخ: أيار ٢٩, ٢٠١٢
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
إستقالة برهان غليون من رئاسة المجلس الوطني السوري... خفايا ودلالات - الطاهر إبراهيم

لم أفاجأ كما لم يفاجأ الكثيرون من المعارضين السوريين باستقالة الدكتور برهان غليون بعد الزوبعة التي أثيرت عند اختياره رئيسا للمجلس الوطني السوري للمرة الثالثة. مع أنه تم هذه المرة، بشكل "شبه ديموقراطي" أي بالانتخاب، بينما كان اختياره في المرتين السابقتين بالتعيين.

 

أصبح معروفا أن هناك تذمرا داخل المجلس من استيلاء مراكز قوى على قرار المجلس، فكان الاحتجاج على انتخاب غليون كالقنبلة الصوتية وُقِّتت لتنفجر في وجهه تحديدا. وما عنيته بـ"شكل شبه ديموقراطي": أن أعضاء الأمانة العامة الذين اختاروا غليون هم أنفسهم جاؤوا من دون انتخاب، بل بالتعيين وبشكل غير ديموقراطي، وهذا ينطبق أيضا على أعضاء المكتب التنفيذي للمجلس الوطني. أما لماذا لم يفاجأ المعارضون بالنقد الذي وجه لإعادة تسمية غليون رئيسا للمجلس الوطني؟ فلأنه كانت تنقص المجلس أمور كثيرة كي يكون ممثلا حقيقيا للشعب السوري.


كان ينقصه الاختيار الحر والشفافية والتمثيل الواسع للشعب السوري. ابتداء إذ نسجل هذا فإننا لا نشكك بوطنية أعضاء المجلس الحاليين، بل نشكك بجدارة أكثر أعضاء قيادته الحالية خصوصا المكتب التنفيذي. إن الذين غُيبوا من المعارضين عن المجلس هم من قدامى المعارضين، ولهم من الحكمة والحنكة ما ليس متوفرا في كثير من أعضائه الحاليين. كما أن ابتعاد المجلس الوطني عن الانتخاب ولجوءه إلى التوافق والتعيين في مؤسساته، كانا سببا رئيسا في مشاكله وتعثره في قرارات بدت كأنها مرتجلة. فلا يقوم من عثرة حتى يقع في أخرى، ما جعل عدم الفاعلية السمة الغالبة في عمل معظم مؤسسات المجلس.


المواطن السوري ثار ضد حكم بشار الاسد لأنه احتكر السلطة واحتقر المواطن وأبعده عن المشاركة في صنع حاضر سوريا ومستقبلها. فمن باب أولى ان لا يقبل هذا المواطن تشكيل أي جبهة معارضة بأسلوب الانتقاء والتعيين. إن إعلان أول مجلس وطني في اسطنبول في 15 أيلول 2011 تم بشكل غير ديموقراطي. هذا المجلس أعلنته مجموعة العمل الوطني، وعينت كل أعضائها أعضاء فيه. وهي لم تكن معروفة على ساحة المعارضة، وإن كان البعض من أعضائها معروفين من خلال ظهورهم على القنوات الفضائية للتعليق على الأحداث. وكانت قبل الإعلان شنت هجوما كاسحا على المجلس الوطني الذي أعلنه ضياء الدين دغمش من أنقرة في 29 آب 2011. مجموعة العمل الوطني أوقعت نفسها في أخطاء كان لها نتائج وخيمة على تشكيل المجلس الوطني.


أولا: انفردت المجموعة بإعلان المجلس الوطني، مع أنها كانت طرفا في مباحثات تمت مع أطراف معارضة أخرى في الدوحة وفي اسطنبول، وكأن المجموعة أرادت وضع الأطراف الأخرى أمام أمر واقع لفرض شروطها.


ثانيا: قامت باختيار أعضائها أعضاء في المجلس الوطني. وقد استقر الاجتهاد قضاءً أنه لا يجوز أن يعين المرء نفسه ويلزم الآخرين بهذا التعيين، كما فعلت محكمة القضاء الإداري في مصر مؤخرا، عندما حكمت ببطلان الهيئة التأسيسية، لأنها ضمت أعضاء من مجلسي الشورى والشعب المنوط بهما تعيين الهيئة التأسيسية لكتابة الدستور.


ثالثا: اشترطت المجموعة لعضوية المجلس أن لا يتجاوز عمر العضو60 عاما (معظم الذين عارضوا النظام السوري وخرجوا من سوريا، أعمارهم الآن فوق الستين). وكأن المجموعة أرادت الانفراد في المجلس بإبعادها قدامى المعارضين.


رابعا: ذكرت المجموعة في ورقة تشكيل المجلس الوطني أنه يتشكل على النحو الآتي:
- 60 % من أعضاء المجلس هم من الداخل، و40 % من الخارج.
- 52 % من أعضاء المجلس يمثلون الحراك الثوري وشباب الثورة.
وقد خالف تشكيل المجلس الأول في 15 أيلول هذين الشرطين من اللحظة الأولى. فلم يكن فيه أحد من الداخل. كما لم يكن أحد منهم يمثل الحراك الثوري.


مجموعة العمل الوطني فوجئت بأن مجلسها الوطني عومل من قبل التظاهرات السورية كما عومل من قبله المجلس الذي أعلنه ضياء الدين دغمش في أنقرة، فقد تجاهلت المجلسين، فلم ترتفع أي لافتة تقول: "المجلس الوطني يمثلني".


للخروج من هذا المأزق سارع قادة مجلس 15 أيلول إلى ترميم وضعه، فاتصلوا بقيادة الإخوان المسلمين كما اتصلوا بالدكتور برهان غليون وبشخصيات وأحزاب كردية، وأخرى صغيرة، فيها الشخص الواحد والشخصان. وتم الاتفاق على حصص كل فصيل، وأعلن عن المجلس بشكله الجديد في 3 تشرين الاول 2011. لكن المجلس الوطني، رغم تلك الإضافات، بقي محدود الحجم وضعيفا.
كان ورود اسم الإخوان المسلمين ضمن قائمة مكونات المجلس كافيا لينال ثقة المتظاهرين، بما للإخوان من سمعة في معارضة النظام. وكان المتظاهرون ينتظرون تشكيل جهة تمثلهم، لذا رفعوا لافتات في جمعة "المجلس الوطني يمثلني". وخلال الفترة التي تلت الإعلان عن المجلس الوطني قام المعلنون بتقاسم المراكز الأساسية في مؤسسات المجلس خصوصا المكتب التنفيذي والأمانة العامة. وبين فترة وأخرى كان يعلن عن ضم معارضين آخرين، لكنها كانت إضافات معظمها هامشية ومجتزأة، تخضع إلى حسابات الحصص التي حرص أعضاء المكتب التنفيذي أن لا تخل بالتوازنات والنفوذ داخل تركيبة المجلس. في المرحلة التي تلت الإعلان عن المجلس، كان من المفترض أن ينصرف أعضاء المكتب التنفيذي إلى توسيع المجلس أفقيا وعموديا كي يضم معظم المعارضين على الساحة السورية، الخارجية على الأقل، بعدما فشلوا في إيجاد جناح ثوري للمجلس في الداخل. في هذه الأثناء انصرف المكتب التنفيذي كي يكتسب المجلس شرعية دولية، وهذا أمر مطلوب، خصوصا أن الدول الداعمة للحراك الثوري السوري كانت ترغب في تشكيل مجلس كهذا، حتى يكون واجهة يخاطبها المجتمع الدولي. لكن الخلافات والتطلعات في صفوف المجلس شغلته عن السعي إلى كسب الاعتراف الدولي عن جدارة، فرضي بالاعتراف به بأنه ممثل للشعب السوري، ثم ممثل شرعي لكنه ليس وحيدا.


قبل حوالى شهرين شكل المكتب التنفيذي لجنة لإعادة هيكلة المجلس وتوسيعه. وكان غليون صرح بأن المجلس يجب أن يعتمد الانتخاب للأمانة العامة والمكتب التنفيذي، واستيعاب كل المعارضين في المجلس. لكن اللجنة المشكلة آنفا طوت أوراقها بعد أن رفض المكتب التنفيذي الموافقة على رؤيتها في الهيكلة والتوسعة. إلا أن المكتب التنفيذي الذي انعقد  في 21 أيار الجاري أعاد التأكيد على وجوب توسيع المجلس وإعادة هيكلته، ولا أحد يعرف متى سيتم ذلك، لأن إدخال مبدأ الديموقراطية والانتخاب يعارضه أعضاء في المكتب التنفيذي. وفي تصريح لقناة "العربية" أكد غليون على مبدأ الانتخاب لأعضاء المكتب التنفيذي والأمانة العامة، وكانوا قبل ذلك يعينون من قبل أحزابهم.


الدعوة التي وجهها الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي لشخصيات سورية لحضور مؤتمر للمعارضة السورية في القاهرة في 16 و17 أيار الجاري، لقيت معارضة من أعضاء المجلس الوطني.
فعلى ما يظهر  شعر العربي أن عددا كبيرا من المعارضين السوريين لا يزالون خارج المجلس الوطني، ولا أقصد هنا هيئة التنسيق، بل من هم خارج هيئة التنسيق وخارج المجلس الوطني. ومؤتمر ليس فيه كل المعارضين لا يعتبر مؤتمرا للمعارضة.


ملاحظات: لا تزال شخصيات كبيرة وكثيرة من الإخوان المسلمين السوريين خارج المجلس الوطني لم يتم ضمهم إليه. بل إن أربعة من المراقبين العامين السابقين للإخوان المسلمين وحتى المراقب الحالي رياض شقفة هم اليوم خارج المجلس الوطني. وحتى لو زعم زاعم بأن مندوب الإخوان المسلمين في المكتب التنفيذي هو من حجبهم، فإن الإخوان كجماعة متجذرة في عمق النسيج السوري لا يمكن أن تكون في جيب أحد، ولا أن تختصر بشخصية نائب المراقب العام الموجود في المكتب التنفيذي للمجلس الوطني. ثم أين هم في المجلس ممثلو المجتمع المدني الذين وقعوا بيان الـ 99 عام 2001؟ وأين هم الذين وقعوا على بيان


الـ 1000 في عام 2001 كممثلين للمجتمع المدني السوري في ربيع دمشق عام 2001؟ ليس منهم من هو في المجلس الوطني إلا ما ندر. وأين مثقفو "سميراميس" الذين عقدوا مؤتمرهم في صالة صغيرة في دمشق في 28 حزيران عام 2011، تجمع منهم أكثر من 200 مثقف معارض تحت أسنة حراب الأمن السوري. أين هم من المجلس؟ وأين هم  الكتاب والصحافيون وأعضاء النقابات من الأطباء والمهندسين والصيادلة والمحامين السوريين الذين اعتقلوا في ثمانينات القرن العشرين؟ لماذا لم يستوعبهم المجلس الوطني؟


أخيرا، لا نريد فرط المجلس الوطني الحالي. فلا يقول بذلك معارض مخلص. لكن لا بد من إعادة صوغه على أسس وطنية تستوعب جميع المعارضين. وأن ترفع يد الوصاية عن المجلس. عندها، وعندها فقط، لا يبقى لهيئة التنسيق وغيرها حجة للبقاء خارج المجلس الوطني. وحتى يتم ذلك فإني أعترض على الوضع الحالي.

 

عضو بارز في "الاخوان المسلمين" السوريين