 | | | | التاريخ: آب ١٥, ٢٠١٢ | | المصدر: جريدة الحياة |  | | الوطن في مواجهة الأمة والتنظيم الديني - عزمي عاشور |
لم يستطع كثير من مجتمعاتنا أن ينتصر لمفهوم الوطن، على رغم وجود حضارتين قديمتين انتصرتا لهذا المفهوم في الماضي في كل من العراق ومصر، إلا أن اختلاق المفاهيم غير الواقعية ومحاولة تركيب الماضي على الحاضر، كان سبب ظهور مفاهيم مضادة ومفتتة لمفهوم الوطن، من أبرزها مفهومان متضادان من حيث نطاقهما الجغرافي. الأول هو الأمة، يقابلها على المستوى الأصغر مفهوم التنظيم. فالأمة هنا يقصد بها ليس الوطن وإنما كل ما هو إسلامي. وهو أمر قد يكون عابراً لكل الأوطان بما فيها دول كثيرة غربية يوجد فيها ملايين من المسلمين. ومن هنا فالفكرة تبدو هلامية لأن الذين يدعون إلى تحقيق هذا المفهوم يبنون تبريراتهم على أسس دينية، وهو ما يتناقض تماماً مع التعريف الأساس لمفهوم الوطن الذي يرتبط بالمكان المعيشي الذي يحقق حاجات الإنسان، أياً كان انتماؤه الديني أو الاثني. ومن ثم ليس من المستغرب أن نجد مسلمين يعيشون في وضع أفضل من ناحية المعيشة والحريات والكرامة الإنسانية في مجتمعات غالبيتها من ديانات أخرى، ولكن، يعيشون تحت انتماء الوطن، كالولايات المتحدة أو بريطانيا، عن غيرهم ممن يعيشون في مجتمعات تنادي بمفهوم الأمة، كأفغانستان أو باكستان أو حتى في بعض الدول العربية. وإذا كان مفهوم الأمة على المستوى العابر للأقطار، لا يمكن تركيبه على الواقع لأنه لو حدث لاقتتل البشر في ما بينهم، في محاولة لأن ينتصر الواحد منهم لديانته وليس معيشته ووطنه. بالمثل أيضاً مفهوم التنظيم الديني الذي هو على المستوى «المايكرو»، فهو يعمل بالمفهوم الكاسر والمحلل والمفتت للوطن، لكونه ينطلق من رؤية دينية لوجوده وتفاعله مع من حوله. فهو لا ينطلق من واقع معيشي بمقدار ما ينطلق من هويته التنظيمية والدينية، والمثال الواضح لهذا الأمر جماعة «الإخوان المسلمون» في مصر والتي استطاعت أن تخلق من تنظيمها الديني داخل المجتمع المصري شكلاً مضاداً لمفهوم الوطن، بهدف الانتصار لفكرتها الأساسية وهي الأمة. من هنا، فالانتماء هنا سواء للتنظيم أو حتى للأمة لا يرتبط بواقع معيشي بمقدار ما يرتبط بعاطفة، وشتان ما بين العاطفة والواقع وأن عملية تحويله إلى واقع قد يصعب تحقيقها لكونها تتناقض مع ما هو موجود على الأرض من تنوع ديني وتنوع مذهبي لأصحاب الديانة الواحدة، فكيف بتنظيم ديني أن يأتي بنظرية دينية، في حين أن مفهوم الوطن يعطي الكل الحرية في اختياره وفي تدينه الذي يرتضيه لنفسه، وكيف لصاحب التنظيم الديني أن يفرض رؤية ماضوية لحل مشكلات الواقع، في حين أن صاحب مفهوم الوطن هدفه بالأساس الإنسان وكرامته وفي سبيل ذلك يسعى إلى تحقيق الهدف بكل ما هو متاح من سبل. من هنا، تفاعل مفاهيم الأمة والتنظيم مع الواقع يفقدها مضمونها. فمشكلة المجتمعات العربية هي أن لديها قدرة على أن تعيش وتتكيف مع المفاهيم العاطفية والبعيدة من الواقع، ليس حباً فيها وإنما بقدرتها على امتصاص كل ما يأتي من ورائها من نتائج كالتخلف والاستبداد. * كاتب مصري
| | |
|