التاريخ: آب ١٦, ٢٠١٢
المصدر: جريدة الحياة
معالجة فئوية لأزمة وطنية مصرية؟ - صلاح سالم

كشفت واقعة الماسورة، التي راح ضحيتها 17 ضابطاً وجندياً مصرياً على أيدي مجرمين خُلَّص يتوزعون بين الإرهاب والتهريب، عن واقع أن الحال المصرية في الخارج وعلى الحدود تشبه كثيراً الحال في الداخل وبين الجموع، فثمة خليط من عدم اليقظة لدى الدولة ومَن يمثلها أو يرمز إليها، سواء الجيش على الحدود أو الشرطة في داخل الربوع، من تَغَوُّل العدو وشراسته، ممثلاً بالجماعات الجهادية العنيفة على الحدود، أو البلطجية ومثيري الفتنة وقبضايات الاحتجاجات الفئوية داخل الربوع. وكما أن الشرطة المصرية ومعها أجهزة الدولة لا تزال عاجزة عن توفير الأرواح وحفظ الأمن في الداخل، بفعل حال الشك السياسي السائدة إزاء كل شيء، فقد أصبح الجيش عاجزاً هو الآخر عن حفظ الحدود وفرض السيادة على التراب المصري بفعل الانقسام السياسي والصراع السلطوي الدائر بشدة ظاهراً أو خلف الكواليس.
 
غير أن الأخطر من هذه الحال الكسولة المهيمنة على مؤسسات الدولة، يتمثل في طريقة التعامل الأولى مع تلك الكارثة، والتي تغلب عليها رؤية الجماعة الحاكمة، وأعني هنا الإخوان المسلمين، على الرؤية الوطنية الصرفة، فمن دون انتظار التحقيقات واكتمال المعلومات، وحتى من دون احترام لما جاء في البيان العسكري وتشي به كل ملابسات الحادث، من تورط جماعات جهادية عنيفة لاقت دعماً ما من داخل غزة، سارعت الجماعة الى إصدار بيان تتهم فيه إسرائيل، وبالذات جهاز الموساد بالوقوف وراء الحادث، نفياً للتهمة عن حركة «حماس» التي لم يقل أحد إنها متورطة بالضرورة، وفي الوقت نفسه لم يكن أحد قادراً على الجزم آنذاك بأنها غير متورطة. وفي الحقيقة تظل «حماس» في كل الأحوال مسؤولة عما حدث وإن بدرجات مختلفة يفترض أن يكشف عنها التحقيق المتأني والدقيق:
 
فثمة أولاً مسؤولية أخلاقية عن الجريمة تقع على عاتقها بحكم سيطرتها السياسية ولو النظرية على غزة التي لعبت جغرافيتها دوراً مهماً في الجريمة، إن بتوفير فضاء لانطلاق العملية، أو فضاء لهروب مرتكبيها عبر المعابر إلى أرض القطاع، وإن بتوفير مساعدة لوجستية بإطلاق مدافع الهاون على معبر أبو سالم في موازاة هجوم المجرمين المباشرين على موقع الماسورة للتغطية على ما يجرى، أو للفت الأنظار عنه أو غير ذلك من أهداف.
 
وقوع مثل هذا الحادث بمشاركة تنظيمات جهادية في غزة من دون علم «حماس» لا يعني أقل من أنها صارت سلطة أو حركة فاشلة، عاجزة عن السيطرة على القطاع، وعن القيام بدورها في حماية حدودها معنا، ما يوجب على مصر إجبارها على احترام تلك الحدود بكل الوسائل، التي تبدأ من الهدم الكامل لكل الأنفاق المفتوحة وغير الشرعية، والضبط الشـامل لكل المعابر والمداخل الشرعية، بحيث تكون مصر قادرة وحدها ومن دون تعويل على إرادة ورغبات غيرها، على التحكم المطلق بحدودها والسـيـطرة الكاملة على أراضيها.
 
وثمة ثانياً مسؤولية سياسية حال كانت «حماس» قد علمت بالتخطيط للحادث من دون أن تحاول منعه، وهو أمر يصير غير مفهوم على الإطلاق، خصوصاً أن الحكم في مصر صار للجماعة الأم التي ينتمي إليها فكر الإخوان، كما أن رئيس الحكومة المقالة في غزة كان لتوه قد زار مصر وحصل من قيادتها على حزمة تعديلات إيجابية على صعيد حركة البشر والبضائع من غزة إلى مصر والعكس، لدرجة بدا معها الجانب المصري متساهلاً بدرجة أثارت أنظار المراقبين وأطلقت تحذيراتهم خوفاً على أمن مصر من اختراقات على منوال ما حدث في الماسورة، فهل يعني ذلك أن «حماس» أرادت إثبات وجهة نظر مناوئيها في عدم الثقة بها. وما هي المكاسب التي تتوقع الحصول عليها في المقابل من هذا السلوك الفج؟
 
وثمة ثالثاً مسؤولية جنائية تقع على عاتق «حماس» لو أنها شاركت في العملية أو خططت لها، فهي آنذاك جماعة مجرمة من وجهة نظر مصر الدولة، يتوجب مقاطعتها وعدم التعامل معها بأي صورة من الصور حتى لو كانت هي الشقيق الأصغر للجماعة الأم التي تتصدى لحكم مصر الآن، فإن كانت الجماعة غير قادرة على ذلك أو كان الرئيس عاجزاً عنه أو غير راغب فيه، فليذهب ضيفاً على الجماعة الشقيقة حاكماً لغزة تاركاً مصر لحاكم جدير بها قادر على الاضطلاع بمسؤوليتها كوطن كبير وليس كجماعة صغيرة مهما تعددت فروعها.
 
نربأ بـ «حماس»، تلك الحركة التي نشأت في سياق وطني دفاعاً عن حقوق مغتصبة ضد عدو محتل لا يحترم سوى منطق القوة، والتي تتمتع بقدر يعتد به من المسؤولية والعقلانية حتى لو اختلفنا معها إزاء أمور عديدة، أن تكون متورطة في الجريمة، سواء بالمشاركة والتخطيط وفق السيناريو الثالث أو حتى بالصمت والتواطؤ حسب السيناريو الثاني، ولكن ورغم ذلك يبقى أمران لافتان تبدَّيا في بيان جماعة «الإخوان المسلمين» حول الجريمة:
 
أولهما هو سرعة تبرئة «حماس» ليس فقط استباقاً لأي تحقيقات دقيقة أو تحليلات معقولة، ولكن أيضاً تجاوزاً للبيان العسكري الذي أشار إلى غزة، ما يعني أن الهدف الأصلي للبيان لم يكن إيضاح موقف، ولا الاكتراث بجريمة وقعت لبعض من خيرة ضباطه وجنوده، بل السعي إلى تبرئة وجه جماعة فرعية تنتمي للجماعة الأم التي صارت حاكمة فعلية لمصر. لقد ربط البيان بين تبرئة حماس وتبرئة غزة، متجاهلاً وجود جماعات جهادية عنيفة تخرج عن سيطرة «حماس»، بل إنها قد ارتكبت جرائم في حق «حماس» نفسها، ما يجعل إخوان مصر يبدون ملكيين أكثر من الملك.
 
وثانيهما هو الإصرار على توجيه الاتهام السهل والمألوف والمعتاد إلى إسرائيل وأجهزة استخباراتها بالضلوع خلف الجريمة. ونحن لا نرفض الاتهام بداءةً، فإسرائيل بلد عدو يمكن أن يقوم بكل شيء وأي شيء لإرباك مصر، وقد يكون له إصبع في الجريمة، ولكن مثل هذا الاتهام لإسرائيل، على منوال تلك التبرئة لـ «حماس»، لا يمكن توجيهه من دون تحقيقات تستجلي الحقيقة وتحدد المسؤوليات بدقة لأن له، أي لهذا الاتهام توابع ضرورية، فإن كانت إسرائيل حقاً هي المسؤولة توجب على مصر الرد وإلا هبطت معنويات الجيش بل والمصريين جميعاً إزاء عجز قيادتهم وجيشهم عن الرد على مثل هذا العدوان المجرم، وإن أثبتت التحقيقات أنها غير مسؤولة توجب على مصر الاعتذار وهو موقف عبثي لا معنى له تضطر إليه الدول في حالات قصوى وليس كل يوم أو مع كل حادثة، لأنه ينال ولو بدرجة من معنويات المواطنين.
 
وهكذا يكشف البيان عن حقيقة مرة، وهي غلبة اعتبارات التوجه الطائفي للجماعة الحاكمة على اعتبارت التوجه الوطني العام الذي يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ويسلك في كل الأحوال مسلك الدولة الرصين والمسؤول، الذي يبرئ بمنطق، ويتهم بمعلومات، من دون تسرع يكشف عن غرض وهوى طائفيين، فيما يغطي على مصالح وحقائق وطنية. 


* كاتب مصري