التاريخ: آب ٢٨, ٢٠١٢
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
الانشقاق محمود ولكن... - سلام الكواكبي

فى بداية الاحتجاجات الشعبية فى تونس، برز على التلفزيون الفرنسى ديبلوماسي تونسي كبير للدفاع عن منجزات الرئيس بعنفوان مميّز. وقبل ساعات من سقوط النظام، استشعر السفير بأن القارب فى طور الغرق، فتخلّى عن النظام وأعلن انشقاقه، وذكّر بأنه كان من منتقدي النظام وممارساته قبل أن يُشترى بمنصب ديبلوماسي مهم. فى هذه الثورة، انتهت الأمور بسرعة لم تسمح بحصول انشقاقات تذكر إبّان مسارها. أما الثورة الليبية، فقد شهدت، ومنذ أيامها الأولى، انشقاقات استعراضية مؤثرة كما حصل مع مندوبها فى الأمم المتحدة.


فى المطلق، الانشقاق عن الأنظمة الاستبدادية عاجلا أم آجلا هو فعل محمود. وبالتالي، من السلبي أن توجه الاتهامات العشوائية إلى المنشقين "الجدد" من كبار الديبلوماسيين والعسكريين والسياسيين الذين اختاروا، ولو متأخرين جدا، رفض سياسات النظام وممارساته بحق الشعب. ومناقشة الدوافع هدفها الأساسي هو توضيح المسارات دون إطلاق أحكام قيمية.


من المعروف بأن الاستقالة/الإقالة، كما التعيين، فى البلدان ذات الأنظمة الشمولية، هى قرار أمني. ويبتعد عن الصدق من يدعى قدرته على الاستقالة في الحالات العادية لمجرد عدم انسجامه مع الخط السياسى العام أو الممارسات. والتعيين فى المناصب العليا فى هذه الدول يجب أن يستوفي شرطين أساسيين: أن يكون المعين منغمسا فى الفساد إلى أعلى أذنيه و/أو تكون التبعية السياسية / الحزبية / الأمنية مضمونة لتحقيق الخضوع التام. ومن المقبول أن يكون للقاعدة استثناءات ولكنها ليست كافية لكى يُبنى عليها.


أما فى حالة الثورة، كما فى سوريا، من المحتمل أن أعداد الضحايا وصور الدمار يمكن أن تُعيد الإنسان إلى ضميره أو ما تبقى منه، أو أنها توقظ حِسّا نائما فى إنسانيته المستعبدة. وهناك أسباب أخرى يمكن أن يؤخذ بها أيضا لتفسير الانشقاقات عالية المستوى. منها، الانتماء العشائرى/المناطقي المحرض والضاغط فى ظل ثقافة اللا مواطنة التى عممتها السياسات القمعية طوال عقود. وهناك وسائل نفعية يمكن أن تقنع المسؤول بوجوب الانشقاق لاستمرار ركوب موجة السلطة إن كان المركب فى طور الغرق. يضاف إلى ذلك، الخوف من المساءلة لمن تلطخت أيديهم بالدماء واعتبار أن بيان الانشقاق، مهما كانت صياغته ركيكة، سيغسلها بفاعلية ودوام.


من مصلحة أى عملية تغيير أن يترك البحارة المركب خصوصا إذا كان القبطان قد قرر الغرق. والترحيب والاستيعاب ضروريان لرفد التنوع المنشود فى بناء مستقبلٍ أقل ضبابية. في المقابل، من المحبّذ أن يتمتع المنشقون "الجدد" بشيء من الذاكرة والتواضع بحيث لا يكتفون باعتبار خطوتهم الشجاعة وكأنها البلسم الشافي لآلام الملايين وبأنهم الحل أو قياداته المستقبلية.


الخطوة الأساسية المطلوبة بعد الانشقاق هى الانضمام إلى الحراك من خلال شرح تفاصيل المسارات السلطوية ورؤى الحاكم. ليس من المفيد أو الصادق القول: لم أكن أعلم أو "أننى كنت شريفا"... صادقون يا أخي ولو على مضض... وماذا بعد؟

 

استاذ جامعي – باريس