التاريخ: أيلول ٢, ٢٠١٢
المصدر: جريدة الحياة
الانحياز الى الاستبداد - محمد الاشهب
أولئك الذين كانوا يسألون أين ذهبت أصواتهم في انتخابات رئاسيات إيران الأخيرة لم تسعفهم أحلام الثورة في أن يروا بلادهم تستضيف قمة دول عدم الانحياز من دون رموز النظام الذي هوى على حركتهم بمعاول التقتيل وقيود الاعتقال ومآسي النفي المستمر. غير أن كل الأنظمة الاستبدادية تلتقي في أنها تدفع مواطنيها إلى الهجرة والاغتراب، عساها تخْلِي الساحات والجامعات والبيوت من الأصوات المعارضة.
 
من المفارقات أن تكون دول تنتسب إلى عدم الانحياز، هي نفسها التي سجلت أرقاما قياسية في الانحياز إلى منهجية الاستبداد، مع أن الأصل في تلك الحركة التاريخية التي فجرت وعياً تحررياً بمبادئ الاستقلال ورفض الهيمنة والانصياع لولاءات أيديولوجية أنها اعتمدت الانحياز لقيم تحرير الإنسان والأوطان، وراهنت على إسماع النبض الثالث لحركات التحرير في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. لكن من لا يستطيع عدم الانحياز لمنطق الاستبداد في التعاطي واستحقاقات داخلية، يصعب أن يصدر منه ما يفيد بأنه غير منحاز لقوى إعاقة التقدم.
 
لم يكن فيديل كاسترو أولَ أو آخر زعيم يشن الحرب على الغرب، وتحديداً أميركا، بفلول المهاجرين الذين يمتطون المراكب المهترئة ويذهبون لغزو العالم الآخر حفاة عراة، فقد تضاعفت أعداد اللاجئين الإيرانيين الموزعين في العالم أكثر مما كان على عهد الشاه وحكم السافاك، وكذلك كان حال العراق وليبيا، ثم سورية، التي أحدثت وزارة اغتراب قبل أن تصبح غالبية الشعب نازحة ولاجئة.
 
ليس صدفة أن معايير تقويم أداء الحكومات باتت تستند إلى مظاهر تماسك النسيج الاجتماعي، فقد تبقى هجرة العقول والسواعد مقبولة بمواصفات العوز في استيعاب الكفاءات، لكنها لا تكون كذلك في حال النزوح والهجرات القسرية هرباً من الحروب ومن أشكال القمع وغياب الحريات، ولعل في مؤشرات تزايد أعداد المنفيين من دول مستبدة ما يكشف مراتع الجحيم الذي لا يطاق.
 
في معطيات حتمت انهيار المعسكر الشرقي، الذي شكَّل ضلعاً محورياً في الحرب الباردة التي انبثقت حركة عدم الانحياز من رحمها، أن السقوط لم يأت من الضربات الموجعة للخصم في الخارج فقط، بل إن الداخل كان مهيئاً لاستيعاب لحظة الانفجار. بيد أن اختلاف المواعيد مع التطورات الهائلة في المجتمعات الإنسانية، إن كان ملازماً لنكسات عربية وإسلامية لم تستشعر ضرورات التأقلم والمتغيرات الجديدة في محيطها الأقرب، فإنه لا يعني أن الخروج من نفقات أزمات بنيوية عميقة يمكن أن يتم بمجرد القفز عنها، أو الاعتقاد بأنها مجال حكر على آخرين، أو أنها سحابات صيف عابرة.
 
لم تبتعد إيران عن الخطوة الأقرب إلى الانفجار، لأن أسبابه انتفت أو حمولته تراجعت، ففي باطن الأرض ما يعزز الاعتقاد بأن السكوت لا يلغي الخلطة الكيماوية للتفاعل الذي يَحدث بعيداً من الأنظار. والأكيد أن استضافة قمة دول عدم الانحياز ليس له طعم المفعول السحري الذي يفصل بين إيران ما قبل القمة وما بعدها، فقد دلت تجارب وأحداث أن ضعف الداخل لا يعالج بوصفات خارجية ولو كانت من قبيل المؤتمرات الكبرى، التي تحاول من خلالها بعض الأنظمة القيام بأدوار تنسي الناس مآسيهم الداخلية.
 
العقيد معمر القذافي استضاف مؤتمراً عربياً وأفريقياً في النزع الأخير لحماية النظام، فقد تصور أن تحويل اتجاه بلاده نحو أفريقيا يمكن أن يضمن له فرصة التقاط الأنفاس إزاء موجة انتقادات عارمة في الداخل والخارج. وحين ذهب للاحتماء بمقر ذلك المؤتمر في سرت، هاله أن شيئاً لم يبق مِن وَهْم الزعامة غير بضعة مغامرين فروا من ثكنة العزيزية ليواجهوا سراب يوم الحساب.
 
كذلك فعل الرئيس المخلوع حسني مبارك. فقد تصور بدوره أن منتجع شرم الشيخ الذي كان وجهة المؤتمرات والمشاورات، يمكن أن يتحول ملاذاً آمناً، قبل أن يفجع في حساباته، التي لم تكن تضع في الاعتبار ما يتفاعل في الشارع المصري الملتهب، ففي السياسة يمكن الارتهانَ الخارجي أن يكون له تأثيره بعض الوقت، وفق أجندات متشابكة ومتداخلة، لكنه لا يقي من نوائب الدهر، إذ تنفلت الأمور من زمام السيطرة نتيجة الاستعلاء وقصور النظر والافتتان بالثروة والسلطة. والحال أن التلويح بمعاداة الخارج الذي يسوق بمنطق المؤامرة، لا يصمد بدوره أمام واقع أن الممانعة الحقيقية تكون في مواجهة أشكال التخلف والاستبداد، وليس ممارسة سياسة الهروب إلى الأمام.
 
ليس مثل السياسيين الغربيين واقعيةً وذكاءً وتواضعاً، فالمؤتمرات لديهم التزامات غير منفصلة عن تحديات الأوطان والتكتلات، لذلك فهم حين يغادرون مواقع المسؤولية يتركون لبلدانهم أرصدة سياسية تتجدد عبر الأجيال والنظريات، ميزتهم في ذلك أنهم يتركون للناخبين أن يكونوا أسياد أصواتهم، إذ لا يَسأل أحد أين ذهب صوته بعد يوم الاقتراع.