التاريخ: كانون الأول ١٩, ٢٠١٠
"نساء يواجهن العنف": دعوةٌ الى شمولية مناهضة العنف ضد المرأة في بلادنا

الاحد 19 كانون الأول 2010

أحمد ياسين


بصفتها رائدة من رائداتنا اللواتي رفعن لواء "قضية تحرير المرأة في بلادنا"، من التسلّط الذكوري التعسّفي الذي يقضي ومن دون وجه حق على المرأة، وبمختلف أعمارها، وأوضاعها بشقّيه القاتلين: النفسي، تارة والجسدي، تارة أخرى، وباجتماعهما معاً، طوراً ثالثاً. جعلت الباحثة اللبنانية عزّة شرارة بيضون من هذه القضية المركزية والجوهرية المحورية، في حياتنا، موضوعها الرئيس، بهدف تخليص نسائنا وفتياتنا من العنف الأُسري/ المنزلي والمجتمعي معاً، وبجميع ألوانه ودرجاته وأشكاله كافة.


وعزّة شرارة بيضون هي أستاذة في علْم النفس الاجتماعي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية، وهي باحثة في شؤون المرأة والجُندر، وعضوٌ في "الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية"، وعضوٌ، أيضاً، في "تجمّع الباحثات اللبنانيات".


من هنا يتّضح لماذا اتّسمت مؤلفاتها البحثية الجادة والمعمّقة (في مجال علم النفس؛ وقضايا المرأة؛ والجمعيات الأهلية)، كما مثلما اتّسمت مواقفها الثقافية الواضحة والكابتة ببذل جهودها المعرفيّة المكثّفة واللافتة، والمتمثلة بكسر الصمت المطبق من خلال اختراق كتاباتها أجواء المسكوت عنه حول ظاهرة العنف الذكوري المستفحل في اعتباطيّته القاتلة ضد المرأة عندنا، أو في مجتمعاتنا اللبنانية والعربية على السواء.


وكذلك، ففي دراستها الجديدة، الصادرة حديثاً تحت عنوان: "نساءُ يواجهن العنف" تتصدى بيضون، مجدداً، وبمقاربة نوعية في مجالها، لمعالجة ظاهرة "العنف ضد المرأة" وذلك من ضمن مسار التوصّل الى تحقيق هدف احتواء هذا "العنف القائم على الجندر (النوع الجنسي) ومكافحته"، أي ببلوغ إلغائه أو تحجيمه أو الحد منه على الأقل بسبب مما تتّصف به سلوكياته المرفوضة كافة بكل ما ينتج عنها من آثار تدميرية مروّعة للمجتمع برمّته.


وعليه، فإن هذه الدراسة تنضمّ وكما تُوضح مقدّمتها الى قافلة الأدبيات التي حاولت دراسة إشكالية العنف ضد المرأة في مجتمعنا اللبناني، وإنما بمقاربة ريادية تحاول من خلالها أن تطلّ على الأنماط المجتمعية المختلفة لمواجهة العنف من البحث الى التبليغ والتنظيم. وتضيف المقدمة، أن هذه الدراسة يأتي موضعها ضمن إطار مشروع "تطوير مقاربات واستراتيجيات العمل مع الرجال لإنهاء العنف المنزلي في الشرق الأوسط" كأداة معرفية مضافة حول هذه الظاهرة في مجتمعنا؛ وكأداة مطلبية قائمة على حقائق لقانون يحمي النساء من العنف الأُسري، وضرورة المبادرة الى إشراك الرجال في مناهضة العنف ضد النساء.


الى ذلك، تتقاطع وتتكامل اشتغالات هذه الدراسة، بدءاً من نصّ التقديم الذي تتبنى فيه الكاتبة مع دعوتها الملحّة إبرام مشروع قانون حماية المرأة من المعتدي عليها في دائرة الأُسرة، والذي أقرّه مجلس الوزراء اللبناني في 11/12/2009، ومن ثم قدّمه الى المجلس النيابي للمصادقة عليه، بغية إنفاذ مواده عملانياً، كما تُوضح الباحثة أن دراستها هذه جاءت استناداً الى مرتكزات ثلاثة أساسية لمناهضة العنف ضد المرأة، أساسها ومُنطلقها المجتمع المدني ومنظّماته العاملة تحت مظلّة حقوق الإنسان، كمرتكز أول، رافق نشاطاته العملانية نشاطٌ مواز داعم له تمثّل وكمرتكز ثان "بالبحث الهادف" ذلك الذي أبدته ناشطات (وناشطون) عملوا على بلورة "رؤية واضحة لأبعاد تلك الآفة"؛ وتمثّل المرتكز الثالث، بتلك الفئة من النساء اللواتي يتعرضن للعنف، "أولئك اللواتي لم يقبلن به قدراً، بل خرجن عن صمتهنّ "ليبلّغن" عنه، وليشكلْن بذلك نموذجاً يقتدى من قِبَل نساء أخريات، فهؤلاء النساء بمواجهتهن، وبشجاعة، "وَصْمَة" الإعلان عمّا يجري لهنّ، فكنّ شريكات أساسيات في مواجهة العنف ضد المرأة".


وعلى خلفية هذه المرتكزات ووفق أجوائها مجتمعة، تندرج هذه الدراسة في إطار الأبحاث المرافقة لنشاط المنظمات غير الحكومية من أجل الحد من العنف القائم على الجُندر، وهي تحاول، في شقّها الميداني، النّظر الى العوامل الشخصية والعلائقية والأُسرية المرتبطة بظاهرة العنف ضد المرأة؛ وذلك من منظور جندريّ (جنوسيّ)، واستناداً الى معلومات قد تم الحصول عليها من المرأة التي "بلّغت" عن ذلك العنف. وإذ تهدف هذه الدراسة الى إلقاء مزيد من الضوء على الوضعية المحيطة بفعل العنف، فهي تنظر الى ناسِها، الفاعلين والمتلقّين، وإلى خلفيّاتهم الاجتماعية وظروف عيشهم، وإلى العوامل ذات الصلة بترسيم أنماط السلوكات المتبادلة في ما بينهم. وتحاول هذه الدراسة أن تبحث، أيضاً، في طبيعة شبكات الدعم المتاحة لهؤلاء النساء لدفع العنف عنهنّ وعن أساليبهنّ في طلب المساعدة، وتوقعاتهنّ منها، واستجاباتهنّ لتقديمات المنظّمات التي طلبْنَ منها المساعدة، والعوامل المرتبطة بهذه جميعاً. وهكذا، تنضم هذه الدراسة الى الأدبيات اللبنانية التي أُنتجت حول العنف ضد المرأة، حتى حينه، وتتألف من أجزاء ثلاثة: الجزء الأول منها هو قراءةٌ في هذه الأدبيات. وذلك في محاولة لرسم صورة تطمح لأن تكون شاملة، لما بات يُشكّل المخزون المعرفيّ حول الموضوع عندنا. وهي مهمة كانت مؤجلة (والتعبير للكاتبة)، على الرغم من التعبير عن الحاجة إليها في خطاب المعنيين والمهتمّين بموضوع العنف ضد المرأة. هذه المراجعة شكّلت نتائجها أساساً لهذه الدراسة، بحيث كان استلْهام أدواتها معيناً على صوغ أداء بحثها الميداني. لذا تمحور الجزء الأول تحت العنوان الآتي: "مواجهة العنف ضد المرأة بالكتابة والبحث: قراءة في الأدبيات اللبنانية"، وفي سياق تمهيدها لهذا الجزء تؤكد الكاتبة بأن لائحة الأدبيات (المقروءة هنا) هي، على الأرجح، غير مكتملة لأنها لا تجمع "كل" العناوين الصادرة حول الموضوع عندنا. ما دفعها لأن تُعلن بأن ما أُنتج في هذا المجال غير كاف، وأننا بحاجة للمزيد منه "ليتوفّر، بالتالي، للمهتمّ بالموضوع مَتْناً "جامعاً" للتراكم المعرفي حول الموضوع". هذا مضافاً الى تشديد الكاتبة في تنْبيهها الى ضرورة تسلّح كل من يريد/ تُريد التدخّل والترويج والدعاوى لحماية النساء من العنف الذي يتعرضن له، بالمعرفة الواقعية للموضوع، حتى "يُستطاع الوقوف بوجه المعتقدات السائدة التي تعمل، من دون كلل، على إنكار وجود العنف ضد النساء، والتقليل من أهميّته بما يناسب تثبيت أركان السلطات المهيمنة المعادية للمرأة".


هذا وقد تنوّعت مقاربات الكاتبات والكتّاب الذين تناولوا "العنف ضد المرأة عندنا"، وتباينت زوايا النظر الى الموضوعات المرتبطة به، وذلك بحسب اختصاصات هؤلاء، وتبعاً لطبيعة انشغالهم، فارتسمت صورةٌ لبعض ملامحه على قول الكاتبة فيما ملامح أخرى محتاجة لمزيد من الجلاء.


وتُظهر قراءة الأدبيات هنا والتي تمت بشكل واف وموضوعي، بل نقدي لها في بعض ملامحه: مسوّغات العنف ضد المرأة ومسبّباته، ضحاياه والجلاّدين، تجليّاته وأنماط مواجهته، الاتجاهات نحوه، موقعه في المنظومات الاجتماعية والثقافية التي يسوق الرجال والنساء عندنا حيواتهم في إطارها ووفق قواعدها. وقد شملت هذه القراءة (68) عنواناً باللغتين الإنكليزية والعربية، أحصتها الكاتبة وهي كتابات تناولت موضوع العنف ضد المرأة عندنا (بحدود متفاوتة)، وقد جمعت كل ألوان الطيف حوله، وراوحت بين: دراسات بحثية، دراسة حالات، شهادات شخصية، مقابلات، مطالعات وأوراق قُدّمت في ندوات ومؤتمرات إلخ. وتنوّعت مواضيعها و"مجتمعاتها" وتخصّصت لتتناول نساء تعرّضن للعنف، فئات منهنّ يُحتمل تعرّضهن للعنف (مراهقات أو طفلات أو خادمات)، منظّمات مناهضة للعنف، ملفات جرائم قتل نساء أو وقائع جلسات محاكماتهنّ، ملفّات مرضى أو جانحات، خُبُرات مؤتَمَنين على صحة ورفاه النساء من مهنيين مختصّين أو قيادات دينية أو وسط محلية إلخ.
ودرست أحوال فئات هشة مثل المُطلّقات والسجينات وعاملات الجنس والخادمات غير اللبنانيات، وناجيات من أَسْر الحروب، ولاجئات من الحروب إلخ. كما استُطلعت آراء فئات من الناس بسبب مواقعهنّ التي يُفترض تعامُلها مع ضحايا العنف من عاملات اجتماعيات وأطباء ومحامين وقيادات محلية وناشطات وناشطين في مجال تمكين المرأة.


وقد تخصّصت بعض الدراسات بأنماط محدّدة من العنف ضد المرأة منها: القانوني، الجنسي، الاقتصادي، والنفسي إلخ. كما اهتمت بعض الدراسات برصد العنف ضد المرأة في مناطق جغرافية دون غيرها، إما بسبب تعرّضها للحروب وإما برغبة في التعرّف على خصوصيات هذه المناطق إزاء المسألة إلخ.


أما كاتبات وكاتِبوا هذه الأدبيات فتنوّعوا، هم أيضاً وباستثناء اسمين أو ثلاثة، فإن كل من بَحثوا أو كتبوا في الموضوع كنّ من النساء، وتراوحوا (وهنا نستخدم صيغة المذكر كما استخدمتها الكاتبة) ما بين باحثين وإعلاميين وناشطين في العمل الاجتماعي ومهنيين صحيين أو حقوقيين أو روائيين إلخ. وتجزم بيضون على أن "هذا التنوّع ينمّ، برأينا، عن حاجة ملحّة لدى المعنيين، بموضوع العنف ضد المرأة، وأياً كانت الفئة التي انتموا إليها، للإحاطة بمشكلة مُغْفَلة على الرغم من شيوعها، بل ربما بسبب من شيوعها الذي سوّغ لـ"طبيعة" وجودها، ولخفوت تداوُلها في الخطاب العام. وهو ما دفع بالمعنيين بالعنف ضد المرأة للعمل على إعادة صياغة المسألة بمفرداتها المُستحدثة".


والأدبيات المذكورة نُشرت في كُتب، أو كانت فصولاً من كُتب، أو مقالات في مجلات جامعية، أو في تقارير محدودة التوزيع أو موضوعة على المواقع الإلكترونية للمنظمات الدولية، أو في نشرات داخلية، أو في ملاحق الجرائد الثقافية.


وتشير الكاتبة الى أنه "كانت الشهادات الشخصية للنساء اللواتي تعرّضن للعنف من أزواجهن وأقربائهن الدليل الأبلغ على وجود العنف الأُسري ضد النساء، فبدا وبرأي الباحثة وكأن تدوين هذه الشهادات ونشْرها ضرورة لتنبّه الناس الى "هول" ما يجري داخل بيوتنا المسيّجة برياء التفخيم المُسْبَغ على وظائفها، تلك الوظائف التي تجري خيانتها بوتيرة وحِدّة وأشكال تبدو لفرط هولها وكأنها من نسج الخيال".


وفي حديثها عن القانون اللبناني والعنف ضد المرأة، تلفت الباحثة الى أن الدراسات التي نُفّذت في المجالات القانونية حول العنف ضد المرأة تُظهِر هذا العنف وكأنه مجالٌ يُسمح فيه للاجتماع وللثقافة "بالتعدّي" على أركان القانون وهيبته، بسبب من التخريب الذي يحدثه الاجتماع والثقافة لدى تناول القانون لموضوع العنف ضد المرأة، فنصوص القانون وتطبيقاته يشوبها - وبحسب الكاتبة - "إنحياز3" إلى الرجل (لأنه رجل) وضد المرأة (لأنها امرأة) لا لبس فيه، على ما تثبته الدراسات التي نفذت في هذا المجال.


وفي نهاية الجزء الأول تورد الباحثة مقترحات عدة هي بمثابة توصيات - كما تقول - منها: العمل على تعزيز عمل المنظمات الدولية وغير الحكومية بصفتها المواقع الأكثر اهتماماً بدراسة العنف ضد المرأة، مع الاشارة الواضحة الى ان الأدبيات اللبنانية التي انتجت حول العنف ضد المرأة، أكثرها قد أنجز بالدعم المالي واللوجستي، لهذه المنظمات وبناء على طلب منها، كما ترى الباحثة ان الانشغال بمسألة "انتشار" العنف القائم على الجندر بين المهتمين بذلك العنف ومناهضته يفترض الالتفات الى هذا الموضوع بجدية.
ليتم التوصل، الى انجاز دراسة تخلص الى "توصية" محددة لصانعي القرار بشأن كيفية تعيين خارطة هذا الانتشار.


وتؤكد الباحثه انه يمكن تعيين خطوة تمهيدية في هذا المجال تتمثل بمراجعة للأدبيات العالمية، عالم الجنوب والبلدان في طور التنمية خاصة، والتي تناولت هذا الموضوع بغرض "رصد الطرق والوسائل التي استخدمتها، والعمل على تجريب ما هو متناسب مع مجتمعاتنا للخلوص الى أفضلها". هذا مع تنبيه الباحثة الى ان "هذا هو مشروع متعدد المكونات، ينبغي ان يكون، براينا، على رأس اجندات الدراسات المنوي تنفيذها عندنا".


ومن جهة ثانية تشير الباحثة الى ان الدراسات التي توسلت المقابلات المعمقة والمجموعات البؤرية، لتستقصي اتجاهات فئات مختلفة من الأشخاص، يسعها أن تقدم مادة ثمينة يمكن البناء عليها والانطلاق منها، من أجل انشاء "استبيانات" فيب صيغتها الأولى من اجل رصد "اتجاهات" الناس (فئات منهم على الأقل) نحو "الشرف" ونحو العنف القائم على الجندر، وأنماطه، الخ.
لأن ذلك من شأنه ان يشكل اسهاماً عملانياً في جلاء مسألة لا تزال تقلق الناشطات العاملات في مناقصة العنف ضد المرأة، "أي هو اسهام يعمل على تفتيح وعي الجمهور الأعم بالموضوع، وصولاً الى استخدام لغة موحدة بشأنه" وبحيث تسهم مخرجات تلك الاستبيانات بتوفر وسيلة رصد الاتجاهات، كشرط ضروري لرسم استراتيجيات التدخل الأعمل على نحو منهجي.


وتعلن بيضون ايضاً اننا بحاجة لانشاء "قاعدة للمعلومات" حول المرأة - اضافة لوجود الأدبيات المذكورة - يكون للعنف ضد المرأة فيها مكان خاص. وتضيف "ولعل" مركز المرأة للمعلومات" الذي انشيء في "الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية" هو حالياً الموقع الأكثر تأهيلاً للقيام بهذه المهة التي وضعها على أجندته الحالية. اضافة الى انه من الضروري أيضاً الارتباط مع المواقع الالكترونية العربية والعالمية لتكون نتاجاتها عوناً للباحثات والباحثين اللبنانيين في مساعيهم البحثية.
هذا، اضافة الى ضرورة تعزيز المعارف حول العنف ضد المرأة، عبر انشاء برامج المرأة في الجامعات اللبنانية كافة وتعزيز القائم منها، وتوفير دعم للأبحاث حولها، وترى الباحثة هنا ان الجامعة اللبنانية (جامعة الدولة) أكثر تأهيلاً للقيام بذلك.


كما تشير الى انه يمكن تلمس بعض الاهتمام بذلك الموضوع عبر رصد عناوين رسائل جدارة ودبلوم ودراسات عليا أنجزتها طالبات لأستاذات لديهن اهتمام خاص بالموضوع الخ..
أما الجزء الثاني من هذه الدراسة فهو تحت عنوان: "نساء يواجهن العنف: المبلغات - الدراسة الميدانية"، وهو ثبت بنتائج الدراسة الميدانية، وقراءة تأويلية لتلك النتائج من "منظور جندري"، ومن تجليات ذلك معالجة لـ"الوقائع" في سياقها الاجتماعي والثقافي، وتناولها للثنائي: المعنف والمرأة التي تعرضت للعنف، بوصفه (أي الثنائي) وحدة التحليل. وهذا يعني انه بالاضافة الى رصد سمات المرأة والمعنف، كلا على حدة، فقد جرت محاولة البحث عن الصلة المحتملة بين هذه جميعاً، وارتباطها ببعض سلوكات واتجاهات الاثنين في مناخ ذات صلة بالوضعية العنفية، ووضعها جميعاً في سياق مجتمعي وثقافي أعم.


وفي هذا الجزء نجد وصفاً لملامح النساء اللواتي توجهن الى المنظمات غير الحكومية، طالبات مساعدتها على مواجهة العنف الذي يتعرضن له. وذلك في المدة الزمنية الواقعة بين أول كانون الثاني (يناير) من العام 2009 وحتى آخر تموز (يوليو) من العام نفسه.


وتقول الباحثة ان هؤلاء النساء يطلق عليهن أسماء مختلفة: ناجيات، معنفات، شاكيات، مستفيدات، طالبات مساعدة، مسترشدات، لكن الدراسة تفضل تسميتهن بـ"المستفيدات" (من خدمات المنظمة التي توجهن اليها).


وقد تالفت عينة هذه الدراسة الميدانية، من اثنتين وستين (62) امرأة راشدة، تجاوزت أعمارهن الـ 18 سنة، هؤلاء طلبن مساعدة واحدة من المنظمات غير الحكومية الأربع الآتية: "كفى.. عنف واستغلال"، "الهيئة اللبنانية لمناهضة العنف ضد المرأة"، "الجمعية المسيحية للشابات" (لبنان) وجمعية "مرتا ومريم"، وهذه جميعها تنفذ برنامجاً لاستقبال النساء اللواتي تعرضن للعنف، ولدعمهن في محنهن. وبعد استعراض مستفيض ودقيق لمحتويات هذا الجزء تؤكد بيضون على ان النساء اللواتي يبلغن عن العنف الذي يتعرضن له، فان هذا التبليغ هو بمثابة رفض لهذا العنف، وتعبير عن طلب الى المجتمع، ممثلاً بمنظماته (الخارج - العائلية) لمنعه عنهن، وبحسب الباحثة فان هؤلاء (المبلغات) يشكلن نسبة غير معروفة قيمتها من قبل النساء اللواتي يتعرضن للعنف عندنا، لكنها (والاستدراك للكاتبة) نسبة مرشحة للارتفاع، على الأرجح، حين يقوم "كل" من يضعه موقعه على تماش مع المرأة التي تتعرض للعنف بالتبليغ عنه عما هو شاهد عليه.


وتوضح الباحثة هنا ان المقصود بـ"الشهود" (أي جمع الشاهد المشار اليه) هم المهنيون الصحيون والتربويون والقانونيون، والمرشدون الاجتماعيون والدينيون (رجال الدين) والقادة المحليون (السياسيون) والمؤسسات التي يعملون في اطارها (المستشفيات والمدارس والبلديات والمراكز الاجتماعية.. الخ).


كما تلفت بيضون ايضا الى ان نسبة معرفة النساء اللواتي يتعرضن للعنف عندنا مرشحة للارتفاع حين يصبح تبليغ الدولة، ممثلة بمؤسساتها الأمنية والقانونية والاجتماعية الخ. (إجبارياً" "فالاجبار ينطوي على حماية المجبر، وينزع عنه المسؤولية الشخصية والطوعية عن فعل التبليغ".
وكذلك توضح الباحثة ان المقصود ايضاً، المواقع الأمنية والقضائية المعنية باستقبال النساء المبلغات عن العنف، والاستماع اليهن بوصفهن ضحايا، لا خاطئات مستفزات، ولا ملومات بحجة "انهن يستأهلن ما وقع عليهن من عنف".


وتدعو بيضون مجتمعنا بمباشرته تخصيص الموارد الانسانية والمادية من أجل العناية بهؤلاء النساء. والعمل على رسم السياسات واتخاذ التدابير، ومراقبة تنفيذ الحلول الآيلة الى معالجة مآسيهن على الأصعدة كافة: الأمنية، القانونية، الوقائية والعلاجية، الخ من أمور تجعلهن يأمن الى "بيئة" تعترف بأن العنف الذي يتعرضن له هو مسؤولية تلك البيئة.. عندها ـ وكما ترى الباحثة - يزداد التبليغ لأنه يكتسب اعترافاً وجدوى، ولأنه يغدو مبنياً على ضرورة استجابة تلك البيئة لشكاواهن استجابة واضحة معالمها، وآمنة ترتيباتها ومضمونة نتائجها. كما تشير بيضون في هذا المقام، الى الانتباه لبعض مفاعيل قانون يحمي المرأة من العنف الممارس عليها لأنها امرأة.


هذا مع اعتراف الباحثة الى ان القانون "غير كاف" لدحر بيئة ثقافية لا تزال تنتج التمييز والعنف ضد المرأة لأنها - فقط - امرأة؛ فترى بيضون ان هكذا قانون سيواجه بمقاومة تحد من الانجازات المرشح تحقيقها لكنها ترى بالمقابل ان وجود القانون "ضروري" لأنه مكون رئيسي، بالقوة، من مكونات هذه الثقافة، فتطبيق أحكامه وتعميم المعرفة ببنوده ستعمل - كما هي حال كل قانون - على تصحيح أفكار ومعتقدات، وعلى اشاعة ممارسات لا تلبث ان تفعل تأثيرها في تلك الثقافة، وسرعان ما تصبح في صلبها.


وتحت عنوان: "نساء يواجهن العنف: المنظمات - الاتجاهات الراهنة في أساليب مناهضة العنف ضد المرأة في لبنان" تنعقد محورية الجزء الثالث لهذه الدراسة والذي يتناول الاتجاهات الراهنة التي تتبناها المنظمات المعنية بمناهضة العنف ضد المرأة في عملها، والمسوغات التي تقدمها الناشطات في العمل النسائي اللواتي "لا يواجهنه" بالرغم من رفضهن له، وفي هذا الجزء نتائج وصفية لاستطلاع أولي ينبغي الانطلاق منه لرسم "خريطة شاملة" لكل المنظمات العاملة على الأراضي اللبنانية في مواجهة العنف ضد المرأة، واشارة الى ضرورة السعي لاشتمال من بقي من النساء الناشطات في العمل النسائي خارجها.


وتفيد استنتاجات هذا الجزء بأن "المشهد الحالي بخصوص مناهضة العنف القائم على الجندر يتصف، مقارنة مع بداياتها، بتوسع الفئات المعنية بالموضوع، ناشطات وناشطين، ومستهدفات، كما يشير الى جهد يبذل من أجل محاصرة هذا العنف بمقاربات ووسائل متعددة: منها ان العمل جار من أجل اقرار خطة وطنية شاملة. تتضافر فيها جهود العاملين على مناهضة العنف القائم على الجندر، لتنتظم بطريقة منهجية، تبني على ما تحقق لتنطلق، في مراحل مدروسة، بخطى ثابتة، صوب أهدافها.


ومن تمنيات واقتراحات هذا الجزء التي رصدت في كلام النساء اللواتي شملهن الاستطلاع الأولي: جعل الدولة اكثر "تورطا" في برامج مناهضة العنف ضد المرأة، ورسم خريطة عامة على الاراضي اللبنانية كافة تعين عليها مواقع المنظمات الحكومية وغير الحكومية التي جعلت مناهضة العنف ضد المرأة بعضاً من مهامها.
واصدار منشورات وكتيبات وأدلة عملية الوجهة تتناول مسائل خارج اختصاصات العاملات والمرشدات الاجتماعيات اللواتي يتعاملن مباشرة مع المرأة المعنفة، وللتثقيف حول أمور ذات صلة بالقوانين والمحاكم والمعاملات الادارية، الخ.


وأخيراً فقد حفلت خاتمة هذه الدراسة التي رعتها منظمة "كفى.. عنف واستغلال"، باستعراض توضيحي لاضافاتها على الدراسات السابقة، تخلله عرض للارباكات التي واجهت بحثها الميداني، مع تأمل في نتائج الدراسة الميدانية تتجاوز المعطيات المباشرة الناتجة عنها، وتنتهي بالتأكيد على انضواء النساء الباحثات والمبلغات عن العنف والعاملات في المنظمات المناهضة للعنف ضد المرأة تحت عنوان وحيد هو" "نساء يعملن لمواجهة العنف ضد المرأة في بلادنا". وتقول الباحثة ان الاضافة التي تقدمت بها دراستها الميدانية الى الدراسات في موضوع العنف ضد المرأة تمثلت بما يلي: كانت الدراسات السابقة التي تناولت موضوعات دراستها نساء مستفيدات من تقديمات المنظمات غير الحكومية.. كانت تكتفي بتناول منظمة "وحيدة" موضوعاً لدراستها، أو انها كانت تبحث في "ملفات" المستفيدات في أكثر من منظمة فتكون معطياتها محدودة، اذا، بالمعلومات التي توفرها هذه الملفات.


أما دراستنا هذه فهي توجهت الى اكثر من منظمة غير حكومية (اربع تحديدا)، باستمارة واحدة شاملة لأوجه متعددة لموضوع العنف ضد المرأة. فلم تكتف بما توفر من معلومات في ملفات هؤلاء المستفيدات فقط. لذا فان هذه الدراسة "تصلح، ان من حيث تجميع مفردات عينتها، أو بسبب طبيعة أداة البحث المستخدمة.. تصلح لأن تكون "تمريناً" للمنظمات غير الحكومية المعنية بمناهضة العنف ضد المرأة عندنا في الاستجابة "لأداة موحدة" (هي استمارة هذا البحث من أجل تجميع المعلومات حول النساء اللواتي يستفدن من برامج الاستقبال والمساندة في المنظمات غير الحكومية "كلها".