التاريخ: أيلول ٦, ٢٠١٢
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
اليوم السوري... التالي - سلام الكواكبي

منذ بداية الثورة السورية، تنادى السوريون بمختلف أطيافهم وتلويناتهم السياسية إلى تأسيس تجمعات أو هيئات أو مجالس، تمت من خلالها محاولة التعويض عن عقودٍ من الاقصاء السلطوي للمواطنين وللنخب عن المجال العام. وقد عبّرت هذه الموجة عن حاجة طبيعية لوضع إطار تنظيمي للعمل المعارض والذي، على الرغم من تمرّس بعض رموزه فى مواجهة السلطة السياسية، ولكنه ظلّ لفترات طويلة بعيداً عن التنظيم وعن الهيكلة على أسس ديموقراطية لأسباب موضوعية.


وتميّز عمل القائمين على هذه التجارب أو المنخرطين فيها بأن غلب عليه طابع التمرن على الإدارة السياسية وإدارة ردود الفعل المباشرة شبه اليومية. وقد أدخلت هذه الآلية عمل هذه الهياكل أحياناً في الإطار السياسوي الضيق وبدأت في عكس بعض الممارسات المكتسبة من طبيعة النظام السياسي القائم. وقد أدارت هذه التجمعات عملية التعبير والتحشيد والمواجهة السياسية بعيداً عن المشاريع المستقبلية والأطر الناظمة الضرورية لتوضيح رؤى أو وضع أسس لمرحلة مقبلة.


هذا الفراغ، حفّز مجموعة من الباحثين والناشطين السوريين على إطلاق مشروع "اليوم التالي" (www.tdi-sy.org) الذي حمل في صفحاته تصورات أوسع وسيناريوات متعددة للمرحلة الانتقالية اعتمدت منهجية علمية بعيداً عن التقوقعات السياسية والأيديولوجية. وعلى الرغم من أن اختيار المشاركين في المشروع تم بناءً على اختصاصاتهم، إلا أنه، وبقدر الممكن، أخذ في الاعتبار تمثيل جميع مكونات الشعب السوري السياسية والدينية والاثنية.


وقد تصدى المشروع لست نقاط وجد القائمون عليه أولوية طرحها في هذه المرحلة لدفع الحجج المحلية والدولية التي تتحدث عن ضبابية الصورة لليوم التالي. وتشمل هذه النقاط، تصميم النظام الانتخابي، وتصميم الجمعية التأسيسية التي ستتولى عملية وضع الدستور، وإصلاح القضاء، وإصلاح القطاع الأمني، والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، والعدالة الانتقالية. وانقسم فريق العمل إلى مجموعات بحسب الاختصاصات ليخلص المشاركون إلى وضع تصورات مفتوحة في سعي لإطلاق النقاش العام وتحفيز المشاركة المجتمعية في التعديل أو الإغناء أو التبني.


بعيداً عن أي رغبة في إنشاء تجمعٍ سياسي جديد، اجتهد سوريون وسوريات في انتاج تصورات للمستقبل. وبمعزل عن الحسابات السياسية والسياسوية الضيقة، فقد ساهموا بقدر إمكاناتهم، وبمساعدة خبراء دوليين لهم باع طويل في التجارب الانتقالية، في طرح مشروع طموح اعتمد منهجية علمية واضحة منذ بدايته وجرى النقاش حول تفاصيله على امتداد ثمانية أشهر في لقاءات جدية وبعيدة عن الإعلام.


إنه مشروعٌ من دون "أل" التعريف، وبقدر ما يحمله من طموح في الإجابة عن الكثير من الأسئلة المعلّقة، بقدر ما يتمسك بعنصر قوته الأساسي وهو التواضع في المحاولة والانفتاح على النقاش.

 

استاذ جامعي - باريس