التاريخ: أيلول ١٧, ٢٠١٢
المصدر: جريدة الحياة
المقاطعة والتطبيع: مَن سيحمينا مِن حماية المقاطعين لنا ؟ - سامر فرنجية
منذ بضع سنوات وشبح المقاطعة يطوف في الساحة الثقافية اللبنانية. لم يمرّ شهر منذ صعود هذا الشعار من دون مشكلة أو فضيحة أو خلاف على ترجمة كتاب أو استضافة فنان أو افتتاح حفلة موسيقية. وكل تلك الأحداث مرتبطة بعنوان واحد: محاربة التطبيع المفترض مع إسرائيل.
 
فمن خلاف على ترجمة روائيين إسرائيليين إلى تحويل الموسيقار دانيال بارنبويم من فنان صديق لإدوارد سعيد إلى مجرّد عنوان للعدو الإسرائيلي، وصولاً إلى رفض فرقة لبنانية افتتاح حفلة موسيقية لفرقة أميركية لم تستجب دعوات المقاطعة... في هذه كلّها أُقحِم موضوع المقاطعة في صلب الساحة الثقافية الضيقة.
 
لتلك الحملات مشجّعون يرون فيها استكمالاً للمقاومة بطرق سلمية وديموقراطية، وإن كانت العلاقة بين تلك الأنواع المقاومة التي تتوجه إلى ضمير عالمي مفترض وبين المقاومات المسلّحة غير واضحة. غير أنّ هنالك شريحة كبيرة من اللبنانيين (يقدّر عددهم بحوالى ١٤ ألف شخص ممن حضروا «ريد هوت شيلي بيبر» المُطبِّع)، غير مرتاحة إلى تلك الحملة في حلّتها اللبنانية. وعدم الارتياح هذا ليس ناتجاً عن حب لإسرائيل أو رفض لمبدأ استعمال المقاطعة كـسلاح في الصـراع، بل هـو نابع من شكوك الجدّية تجاه جدوى تلك الحملة في المجال الثقافي، ومن أخطارها المحتملة في مجتمع ودولة كلبنان.
 
عدم الارتياح ناتج إذاً عن السياق اللبناني لتلك الحملات. فهي، كما يردد أصحابها، ديموقراطية ونابعة من حق بعض الأشخاص في استعمال سلاح المقاطعة لإيصال رسالتهم. غير أن من الساذج الوقوف عند ذلك الحق الديموقراطي وتجاهل الشبح الأكبر المتمثل بترسانة الممانعة اللبنانية و «حزب الله»، كما لو أن ممارسته معزولة عن إطاره السياسي الأوسع. ففي بلد يسيطر عليه حزب مسلح وأجهزته الاستخباراتية، ويُستعمل فيه العنف لتطهير السياسة من «الدخلاء» عليها كيفما عُرِّفوا، وفي مجتمع تهمة العمالة فيه هي بمثابة قرار إعدام لا مفرّ منه (باستثناء الحليف المتفاهم)، وفي جو عام تُستعمل فيه القضية لتمرير أبشع الجرائم، سيكون من التبسيط اعتبار تلك الحملات مجرّد ممارسات سلمية تُمارس بمعزل عن إطارها اللاسلمي، والذي يؤمن لتلك الممارسات بعض شروط وجودها.
 
كما أن عدم الارتياح هذا مرتبط برمادية عنوان محاربة التطبيع والخطورة الضمنية لهذا الالتباس. فإذا كان من حق أية مجموعة أو صحيفة التدقيق في عمل مؤسسات معيّنة أو في مواقف بعض المثقفين أو الفنانين، فلا بد من الانتباه أيضاً إلى أن هذا التدقيق أصبح أشبه بنوع من «المكارثية الممانعة»، تطاول، بلا أي رقيب، كل المؤسسات ذات العلاقة مع الخارج. فرمادية المقاطعة الثقافية وحدودها غير الواضحة شجّعت نوعاً من التطهير المستمر للمجتمع، ولمن يطبِّع ومن يطبِّع مع من طبَّع ومن حضر من طبَّع مع من طبَّع، إلخ.
 
هكذا، أُطلقت مثلاً حملة ضد الجامعة الأميركية في بيروت لكونها، باختصار، مستعمرة غربية إمبريالية نيو - ليبرالية ومكاناً للتطبيع الشرس، لا تستحق إلاّ الاقتلاع، أو ما يوازي ذلك، أي تأميمها. فحدود المقاطعة أصبحت تتسع (أو يحاول البعض توسيعها) لكل من يختلف عن صورة نمطية للثقافة الملتزمة.
 
وما يفاقم خطورة تلك الحملات ضعف الحقول الثقافية في لبنان وانعدام استقلاليتها. وهذا الوضع سببه عدد من التدخّلات في تلك الحقول، مثل قوانين السوق وسياسات المموّلين والاعتبارات الطائفية والأهلية. غير أنّه إلى جانب تلك التدخّلات المعتادة، هناك خرق آخر، قد يكون أكثر خبثاً من باقي التدخّلات لكونه مرفوعاً من عدد من اللاعبين في تلك الحقول، وهو ما تمكن تسميته بالتسييس الراديكالي، والمقاطعة أحد أجزائه.
 
يقوم هذا الشعار على اعتبار أن استقلالية المؤسسات أو الحقول الثقافية وهمٌ يخبئ تسييساً لا بد من مواجهته. وفي وجه التسييس الخفي، المطلوب تسييس صريح، يُصلح الخطيئة الأصلية للمجتمعات «الرأسمالية» و «البرجوازية» و «الكولونيالية»، كما تدّعي تلك المقولة. هكذا تُنتزع البراءة الكاذبة للثقافة لتكشف حقيقتها السياسية.
 
غير أنّ هذا المنطق، في ظل حقول ثقافية ضعيفة، بات أقرب إلى نوع من التسطيح السياسي المدمِّر وإلى شريك في عملية تهديم المجتمع، المفروض تحريره. ففي اللحظة التي تناضل تلك الحقول لتأمين بعض الاستقلالية التي تكون شرطاً لعملها وعقلانيتها، بدأ بعضهم يفرض شروطاً وينصّب نفسه قاضياً باسم احتكاره للوطنية.
 
إلا أنّ عدم الارتياح من حملات المقاطعة الثقافية في لبنان جزء من عدم ارتياح عام تجاه الاستيراد المبسّط لـ «الريبرتوار» الراديكالي إلى لبنان. فهجرة نظريات التجاوز الراديكالية إلى العالم الثالث غالباً ما تترافق مع مواجهة لحقيقتها المخفية (وإن كان هناك من يرفض تلك المواجهة)، أي أنها ضمنياً مرهونة بوجود الحدود التي تريد تجاوزها. فشعارات المقاطعة والصرخات الثورية والفضح للمؤامرات الكونية عملية سهلة، مهما اعتقد أصحابها المهمومون، ومحمية من سلطة فعلية في مواجهة مجتمع ضعيف، وحقول ثقافية شبه ميتة.
 
ربما لم يكن المطلوب في لبنان تكرار هذه السهولة، بل رفع المنطق المعاكس والمحافظ، الداعي إلى حماية ما تبقى من حقول فكرية وثقافية من واجب التسييس، والدفاع عنها بصفتها آخر معاقل الاستقلال من التسييس المتمادي. ورفع هذا الشعار المحافظ لا يعني العودة إلى المقولة المبتذلة القائلة إن سبب مشاكل لبنان هو السياسة، بل الانتباه إلى التباس علاقة السياسة بالثقافة، وإلى خطر تحويل الثانية إلى مجرد إشارة خفية لصراعات الأولى الوهمية. فقد تنجح جماعة المقاطعة في حمايتنا من تلوث التطبيع، غير أن السؤال هو: من سيحمينا من حمايتهم؟