التاريخ: أيلول ٢٠, ٢٠١٢
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
متى إخضاع الأحزاب اللبنانية للرقابة المالية؟ - اسامة العارف

جميع دول العالم توجب اجراء رقابة على المبالغ التي تدخل اليها لمنع توظيفها في قضايا قد تؤثر على مستقبل ابناء البلد، أو على سلمه الاهلي واستقلاله.

 

في 2011/2/16 ألقى السيد حسن نصر الله خطاباً في ذكرى القادة الشهداء في مجمّع سيد الشهداء في الرويس. لم تكن كلمته هي المهمّة في هذا الاحتفال، بل المهمّ كان حضور السيد محمّد منصور الأسير الذي تمكّن من الفرار من سجن المرج المصري والذي استعمل جواز سفر لبنانياً مزيّفاً باسم شخص ميّت يدعى سامي شهاب.


وقد قام السيد محمّد منصور بتحية الجماهير وقادة "حزب الله" دون أن يرفّ له جفن، ودون أن يخاف من تحرّك النيابة العامّة ضدّه لقيامه بتزوير جواز سفر رسمي واستعماله للمزوّر.


لا شكّ في أن عدم تحرّك النيابة العامة له ما يبرّره لأن دولة "حزب الله" ستتحرّك لإحباط أي تحرّك للنيابة العامة في هذا المجال وستلقي على الأجهزة القضائية وعلى وزير العدل تهماً تراوح بين العمالة لأميركا وإسرائيل والخضوع للأقلية الجديدة التي تعارض أي تحرّك ثوري ضدّ إسرائيل.


وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فإن من المهمّ إجراء رقابة على الأموال التي تدخل إلى لبنان ومعرفة كيفية إنفاقها. وهذا يعني تطبيق أحكام القانون على الأحزاب والحركات السياسية أسوة بالجمعيات لمعرفة مصادر تمويلها وحجم هذا التمويل وكيفية إنفاق مبالغ الدعم هذه.


وأمام تخلي الدولة عن التصدي لهذا الموضوع تجدر الإشارة إلى أن إسرائيل قد تكون وراء بعض الحركات السياسية في لبنان. ألا تخشى دولتنا اللبنانية أمام هذه الوضعية أن تكون إسرائيل متورطة في دعم بعض المنظمات السياسية؟


إن ما نقوله ينطلق من السؤال بأنه يجب ألا يكون أي حزب أو جمعية أو شركة خارج القانون يرفض أن ينصاع لأحكامه. فالقانون يجب أن يطبّق على الجميع، وإذا كان ثمّة استثناء لأحد فإن ذلك يجب أن يصدر بقانون.


قد يقول قائل ان "حزب الله" مثلاً لا يستطيع أن يحدّد مصادر دخله وكيفية إنفاقه لأسباب تتعلّق بسريّة تحركاته وعدم وجوب كشفها للعدو. والجواب أن سريّة تحركات "حزب الله" يمكن أخذها في الاعتبار في معرض إخضاع الحزب للرقابة المالية عليه. إلا أنني أجد أن ترك الباب مشرعاً أمام مئات ملايين الدولارات تدخل إلى لبنان وتشتري ذمم أبنائه تحمل أخطاراً جمّة على استقلال هذا البلد وعلى كرامة مواطنيه.


قبل قيام جمهورية الطائف كان الأشخاص والأحزاب يخشون أن يتهموا من قبل أحد بالقبض من أية دولة أجنبية أولاً لأن قبض المال من الغير يعتبر من قبيل شراء الذمة، وثانياً لأن القبض من إحدى الدول معناه الارتهان لهذه الدولة، وهو أمر بشع يخشى كل إنسان شريف أن يتّهم به.


أما الآن وبعد جمهورية الطائف، فإننا نسمع افتخاراً بالقبض من إيران بحجّة أن هذا المال نظيف، في حين أن المال المصروف على غيرهم يعتبر مالاً غير نظيف يجب رذله.


وفي تقديري أن أي مال يدخل إلى لبنان أياً كانت حجّة قبضه يعتبر مالاً غير نظيف لا يجوز قبول دخوله إلى لبنان دون تحديد مبرر دفعه وجهة إنفاقه وإخضاعه للرقابة المالية.


إن جميع دول العالم توجب إجراء رقابة على المبالغ التي تدخل إليها لمنع توظيفها في قضايا قد تؤثّر على مستقبل أبناء البلد مثل المخدرات والدعارة، أو على السلم الأهلي مثل تصدير السلاح إلى القوى الأهلية المتعارضة، أو على استقلال البلد مثل تقوية هذه الدولة غير اللبنانية أو تلك على حساب الارتباط بالوطن اللبناني.


إن هذا التلقي للمال مرفوض أخلاقياً وسياسياً وقانونياً. وإني لأعجب كيف أن الأحزاب السياسية التي لا تتلقى أي عون مالي تقف مكتوفة الأيدي أمام المنافسة غير المشروعة لها من قبل الأحزاب التي تتلقى الدعم المالي. ذلك أنه لا يعود بإمكانها أن تتساوى مع الأحزاب التي تقبض مئات ملايين الدولارات. فكيف يستطيع حزب لا مورد مالياً له باستثناء اشتراكات الأعضاء أن يرشّح أعضاء منه إلى الندوة البرلمانية إذا كان منافسه من حزب يتلقى معونات مالية ضخمة؟


وكيف يستطيع هذا الحزب الذي لا معين له تمكين مرشحيه الذين لا سند مادياً لهم من النجاح في الانتخابات إذا كان خصومهم يملكون صحفاً ومجلات ومحطات إذاعة وتلفزيون بحكم الأموال التي يتلقونها.


على الصعيد المالي والسياسي، إن هذه الأموال التي تتلقاها الأحزاب المموّلة من الخارج تؤدي إلى تغيير المقاييس في العمل السياسي، وبدل أن يتّخذ المرء موقفه على أساس الإيمان بفكرة أو قضية، ببراءة، وخيارات هذا الإنسان تضعف بدخول المال كعصب في موقفه السياسي.


وبالتالي إن تلقي الأموال وتوظيفها في الحراك السياسي يضرب أحد المبادئ الأساسية في العمل السياسي وهو اتخاذ المواقف على أساس المصلحة الوطنية لا المصلحة المادية. وهذا من شأنه أن يصيب الأجيال اللاحقة بهذا الداء الوبيل: المال، مما يؤدي إلى ضعف المستوى الخلقي عندهم.


بالإضافة إلى ذلك، إن حركة دخول الأموال دون إخضاعها للضريبة تؤدي إلى التضخّم إذ المعروف أن أحد أهداف فرض الضريبة سحب العملة الزائدة من السوق لمنع التضخّم ولتثبيت الأسعار وإيجاد توازن بين العرض والطلب. وبالتالي فإن عدم إخضاع الأموال التي تتلقاها الأحزاب المموّلة من الخارج للضريبة من شأنه أن يؤدي إلى زيادة الطلب على السلع ما ينتج عنه ارتفاع في الأسعار وتدني القوة الشرائية للعملة.


على صعيد آخر، فإن القبول بتلقي المال من الدول يخلق نوعاً من التبعية السياسية إذ لن يكون بإمكان الحزب متلقي المال أن يكون على قدر المساواة مع الدولة التي تموّله بحيث يكون معيار موقفه مرتبطاً بالقرار السياسي للدولة المموّلة لا المصلحة الوطنية. وذلك من شأنه الإساءة إلى الأحزاب التي لا ترى موقفاً صحيحاً إلا ما تراه الدولة المموّلة له.


من كل ذلك يفترض أن لا يكون في لبنان نوعان من الأشخاص والأحزاب والهيئات، نوع خاضع لأحكام القانون ونوع معفى من تطبيق القانون.

محام وكاتب