التاريخ: أيلول ٢٢, ٢٠١٢
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
 
الفيلم السينمائي المُسيء والموقف السياسي الرديء - سلام الكواكبي

اختلطت المصطلحات وأضحى الجميع خبيراً في شؤون الحركات الإسلامية. وتمّ وضع السلفي مع الجهادي مع الوهابي مع المتشدد مع الراديكالي مع الأصولي مع المتطرف مع الإسلامي في سلة واحدة.
واستناداً إلى هذا، فقد بُدىء بتحليل ظاهرة اعتداءات الغوغاء التي تلت عرض فيلم تافه لا يعدو كونه نثرة قمامة لا تستحق أكثر من رميها في سلة المهملات لمن هو ملتزم وليس التلويح بها ونشرها على أوسع نطاق، ونشر قمامات ذاتية تصحبها. ولقد تبين بأن منتجيها المجرمين أخلاقياً لا يبتعدون كثيرا عن عقلية بعض الغوغاء المجرمين جنائياً. وتصدى البعض لما حصل باعتباره غيرة مشروعة على شأنٍ مقدس، مبررين التخريب والقتل المرافق، وقام آخرون بالقفز على "الفرصة" ودعم رؤيتهم بفشل الثورات العربية وحملها لتيارات متشددة دينياً إلى الواجهة.


وبمعزلٍ عن تحديد المصطلحات التي تحتاج إلى دراسة موسعة، لا يختلف أصحاب الحكمين عن مجمل محللي المدرسة الغربية للمتوسطي المستوى الذين يصنعون من المصطلحات مطية قابلة للاستعارة وللتعديل بما يتوافق مع توجهاتهم الفكرية أو التحريرية أو الذاتية. وينسى معظمهم بأن النظم الديكتاتورية، التي ألقت بثقلها على كاهل مجتمعات خرجت من معركة الاستقلال مع مشروع وطني قاصر، مهدت الأرضية الخصبة لنشوء كل أنواع الجهل والظلامية. وقامت، في إطار سعيها لاحتكار المشهد العام والخاص، بتشجيع المتعممين الجاهليين لتبوؤ مقدم المشهد الاجتماعي مقابل المتدينين الوسطيين الذين يمكن أن يحملوا في جيوب تفكيرهم مشروعاً سياسياً أو اجتماعياً منافساً. وقد ساهمت الفئة الظلامية حيناً في مساعدة النظام القمعي "العلماني" بتصديها الكاريكاتوري له، أو بالتحالف معه ونصرته والعمل كجلاوزته. واستعملت القيادات الأمنوقراطية هذه الفئات للتلويح بأخطار محدقة أمام مجتمعاتها، وخصوصاً المركّبة منها، وأمام المجتمع الدولي. وقد انطلت هذه "الحيلة" طويلاً مع استطالة "اللحى" واستخداماتها المتنوعة والمتشابكة.


ما بعد سقوط بعضٍ من هذه الأنظمة، يبدو أن بروز هذه الأعشاب الطفيلية ظاهرة طبيعية وسياسية. ومن ربح الانتخابات حاباها في إطار تعزيز حظوظه الرقمية، ومن خسر الانتخابات حمّلها كل خيبته واستراح.


أين الشأن السوري من كل هذا؟ إنه في صلبه، وما يصح قوله عن الاستخدامات الأمنوقراطية والانتخابوية والتبريرية عموماً، ينطبق بشدة على المشهد السوري حيث يجري الخلط المريح في تعريف طبيعة قوى المقاومة المسلحة مما لا يتطلب من الملاحظين كثرة التفكير والمعرفة بالتاريخ ولا التبصّر بالمستقبل.


في المقابل، يشعر السوريون والسوريات في حيواتهم المهددة يومياً بأن ما حصل في تونس وفي القاهرة وفي بنغازي هو عهرٌ أخلاقي وإنساني لا مثيل له. ويتبدّى لهم بأن الأنظمة الاستبدادية قد نجحت، ولو بعد زوالها، في انتاج فئات قادرة على أن تتحرك من أجل شريط تافه وتنأى بنفسها عن التضامن مع مآسي آلاف الضحايا وتدمير المدن وتصحير الموارد. ويصح القول في هؤلاء، يا من ضحكت من جهلكم الإنسانية وشبعت ضحكا.

 

استاذ جامعي في باريس