التاريخ: أيلول ٢٧, ٢٠١٢
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
ربط الإصلاح الانتخابي بالتنمية - سامي عطاالله

قد تكون الموافقة على القانون الانتخابي الجديد القائم على التمثيل النسبي من قبل مجلس الوزراء اللبناني لحظة تاريخية، غير أنه من المتوّقع له أن يجهض في مهده. فعندما نصل إلى التصويت في البرلمان، من المرجّح أن ينجح كلّ من تيار المستقبل والحزب التقدّمي الاشتراكي والأحزاب المسيحية الأصغر حجماً في التصويت ضدّ تطبيقه.  وذلك لأنه مع إقرار نظام كهذا من المحتمل أن يخسروا مقاعد في الانتخابات المقبلة ويشهدوا على تضاؤل نفوذهم في التركيبة المقبلة للبرلمان.


بغض النظر عن لعبة لا غالب ولا مغلوب بين الطرفين السياسيَين الأساسيين المتنافسين، فإن التصويت ضدّ القانون الانتخابي النسبي لا يوجّه ضربة لأي أمل بتحقيق تمثيل سياسي أفضل وحسب، بل يسمح للنظام الأكثري القائم بالاستمرار في إعاقة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، خاصة في المناطق. ببساطة، في ظلّ النظام الحالي لا يحتاج السياسيون إلى تقديم أي برنامج انتخابي ملموس يُبنى عليه، أو حتى تحقيق إصلاحات ناجحة خلال ولايتهم للفوز بالمقاعد. ففي إطار نظام التمثيل الأكثري، يفوز بالمقاعد السياسيون الذين يحصلون على أصوات أكثر وإن لم يضمنوا الأكثرية. تعدّ الدوائر التي يكون فيها السياسيون متفوّقين على المرشّحين الآخرين "آمنة " ولا تستلزم بذل جهد كبير للفوز بها. بدلاً من ذلك، ينتقل التركيز إلى الدوائرالتي تعتبر تنافسية أو إلى حيث توجد أصوات مرجّحة  ولذا يصبح تنظيم الحملات للفوز بالأصوات ضمن هذه المناطق استراتيجية ضرورية للحزب. أضف إلى هذا النظام الانتخابي خصائص ثلاثاً أخر: التصويت الكتلي، الاستقطاب الطائفي، المحسوبية. ويحصل الفوز بالمقاعد النيابية بالارتكاز على ائتلاف صغير للناخبين ضمن هذه المناطق المتنافس عليها بشدة.

 

الأسس الثلاثة

يحصر التصويت الكتلي، الشائع في المناطق الريفية في لبنان، قوة التصويت بين أيدي قلّة من المجتمع أي زعماء العشائر أو كبار العائلات الذين يقرّرون بالنيابة عن العشيرة أو العائلة لمن سيتمّ التصويت وبعدها يحذو الجميع حذوهم. يعدّ الخطاب الطائفي من أرخص الاستراتيجيات السياسية لتعبئة المواطنين للاقتراع، ولكن فاعلية هذه الاستراتيجية تنحصر في المناطق التي تضمّ سكاناً متجانسين طائفياً (وإلاّ تكون النتيجة عكسية). أخيراً، يمكن القول بأن المحسوبية الانتخابية تتمثّل فعلياً في شراء الأصوات الانتخابية من خلال تقديم المال أو الخدمات لأفراد محدّدين، خاصةً في المناطق المرجّحة.


من خلال الاستغلال المناسب لهذه التكتيكات في إطار نظام أكثري، يَنفذ السياسيون المنتخبون إلى البرلمان بدعم من ائتلاف من الناخبين صغير نسبياً وإنّما فعّال  وبالإبقاء على هذا الائتلاف راضياً نسبياً، ما من داعٍ لأن يعمل السياسيون على تحقيق أي تنمية اقتصادية - اجتماعية في المناطق الأقل تنافسية.


يغيّر نظام التمثيل النسبي العلاقة بين الناخبين والمرشّحين النيابيين بشكل جذري. ففي ظلّ هذا النظام، كلّ صوت يهمّ ويتمّ تخصيص المقاعد وفق نسبة الأصوات المكتسبة. وذلك يشجّع الناس على التصويت حتى في الدوائر التي تهيمن عليها أحزاب سياسية لا يؤيدونها.  وزيادة عدد الناخبين ستجعل الاستراتيجيات المرتكزة على المحسوبية مكلفة أكثر بكثير. قد تجد الأحزاب أنفسها في نهاية المطاف غير قادرة على شراء كلّ الأصوات التي تحتاجها بشكل مباشر. ومن الممكن أن يشجّع هذا النظام أفراد العائلات على الابتعاد عن التصويت الكتلي حيث أن أصواتهم ستكون مؤثرة وإن صوّتوا للأحزاب الأصغر حجماً والأقل نفوذاً.


بدلاً من أن تكون الأحزاب السياسية مطمئنة بشأن حصولها على مقاعد مضمونة من خلال استمالتها مجموعات صغيرة ولكن ناشطة من الناخبين في المناطق المرجّحة، سيكون عليها التعامل مع جمهور الناخبين على أنه كتلة واحدة. هذا يعني أنه ينبغي عليها وضع وتنفيذ برامج واقعية تؤمّن المنافع والخدمات العامة للمجتمع ككلّ. وعندها يصبح من الممكن مساءلة السياسيين حول قدرتهم على التعاطي مع المسائل المهمة كالبنية التحتية والتعليم والصحة والكهرباء.


اللعبة الأكبر

إن للتمثيل النسبي تشعّبات تتجاوز التمثيل السياسي في حين أن غالبية النقاش الدائر حول الإصلاحات يفشل في إدراك الرابط بين التمثيل الانتخابي والتنمية الاقتصادية. فالزاويتان السياسية والاقتصادية متشابكتان بشكل جوهري ولكن غالباً ما تتمّ مناقشتهما من قبل الجهات المعنية، بما فيها منظمات المجتمع المدني، على أنّهما مشكلتان منفصلتان.


يظهر أن مؤيدي التمثيل النسبي يركزون على الغاية السياسية منه فقط، في حين يبدو مناصرو التنمية المناطقية وكأنهم يحنّون إلى عهد الرئيس فؤاد شهاب حين كانت مخططات التنمية المحلية ترسم ولكن من دون أن يتمّ تطبيقها. للأسف، قليلاً ما يتم التفكير في السبب الذي حال دون تطبيق البرنامج الشهابي، ألا وهو أن الإصلاح الانتخابي هو شرط أساسي لتحقيق التنمية المناطقية.

 

المديرالتنفيذي للمركز اللبناني للدراسات