التاريخ: كانون الأول ٢٠, ٢٠١٠
المصدر: جريدة الحياة
مصريون يناهضون الفساد بملصق وتعريف ضيّق «يبرئ» التعليم من واجباته

الإثنين, 20 ديسيمبر 2010

القاهرة – أمينة خيري


رجال الأعمال والأطعمة والأصدقاء! هذه هي أبرز مصادر الفساد في عيون النشء. أدهم (13 سنة) يقول أن رجال الأعمال يستخدمون سلطتهم وثرواتهم للتأثير في الانتخابات ويقترفون أخطاء كبيرة قلما يحاسبهم أحد عليها. ويهز مهاب (13 سنة) رأسه مؤيداً كلام زميله ويزيد عليه أن مثل أولئك الرجال يفسدون الديموقراطية، ويقودون دفة الحياة إلى مصالحهم، وهو ما يؤدي إلى مزيد من الفقر والمرض والجوع. ليس هذا فقط، بل أن البعض من فرط الفقر يضطر لشراء مستلزماته من الغذاء من أماكن غير موثوق بها، وكثيراً ما تكون هذه المنتجات الغذائية فاسدة وغير صالحة للاستخدام لأن من يتاجرون بها فاسدون ويستغلون فقر الناس ويكونون ثرواتهم على حساب حياتهم. ويرى عبد الرحمن (13 سنة) أن أصدقاء السوء مصدر رئيسي من مصادر الفساد، فلديهم القدرة على التأثير السلبي على من حولهم ونشر الفساد بينهم.


حديث «الحياة» الجانبي مع عدد من الطلاب والطالبات الذين حضروا الاحتفال المبتكر الذي نظمته وزارة الدولة للتنمية الإدارية بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفساد الأسبوع الماضي جعل الظنون تتسرب إلى كثيرين ممن حضروا بأن هناك اتجاها حقيقياً لفتح ملف الفساد من دون مواربة للاستماع إلى وجهة نظر النشء حول هذه الظاهرة التي تحولت إلى ما يشبه المنظومة الراسخة في الحياة اليومية.
واحتلت مصر هذا العام المرتبة الـ 98 في قائمة منظمة الشفافية الدولية السنوي والذي يضم 178 دولة، متقدمة بذلك 13 مركزاً عن العام الماضي.


لكن ما أن اعتلت الطالبة مروة المنصة لتلقي كلمة باسم جموع الطلاب والطالبات المشاركين أمام حشد الحاضرين من وزراء وسفراء ومسؤولين، حتى انقشعت ظنون المواجهة ليحل محلها شعور عارم بالاستمرارية الكلاسيكية في مواجهة المنظومة. قالت: «نحن طلاب مصر نطالب بتكاتف الجهود لمحاربة الفساد، فالفساد يشوه مستقبل النشء». الكلمات المرسلة والمكتوبة بعناية وتنميق بالغين أجهضت آمال إعطاء الفرصة الحقيقية للصغار للتعبير عن مواقفهم الحقيقية والعفوية تجاه مفهوم الفساد.


لكنهم عبروا عن قدراتهم ومواهبهم التمثيلية من خلال مسرحية قصيرة قدموها أمام الحاضرين حول قيمة الصدق في المجتمع، وذلك من خلال مجموعة من الطلاب الذين يعتمدون على الغش في الامتحان ليحرزوا درجات مرتفعة، في حين أن الطالب الذي اجتهد أحرز درجة سيئة، بسبب ضياع وقت الامتحان في تزويد زملائه بالمعلومات التي ذاكرها، وهي الخطوة التي أقدم عليها خوفاً من غضب زملائه منه وحرمانه من التواصل معهم.


وإذا كان «التواصل» هو كلمة السر في التشبيك بين الأجيال المختلفة في محاولة للوصول إلى حلول جذرية لتطويق الفساد الذي اعترى مظاهر الحياة اليومية، فإن «التربية» هي المفتاح الرئيسي وإن كان معطلاً عن العمل في وزارة التربية والتعليم المثقلة بهموم لا أول لها أو آخر تتعلق ببديهيات العملية التعليمية نفسها والتي يعتريها كم هائل من المشكلات.


وزير التنمية الإدارية الدكتور أحمد درويش دق على أوتار «التربية» في العملية التعليمية التي يمكن اعتبارها نقطة البداية الحقيقية في تشكيل وجدان الصغار وتكوين ضمائرهم، مرتكزة الى قيم الصدق والعدل والأمانة، أو على تقبل الفساد وهضمه والسكوت عليه والتواؤم معه. درويش أكد أهمية التعليم، لكنه قال أن الأخطر هو النصف الأول من مسمى الوزارة، ألا وهو التربية، «أقصد بها منظومة القيم التي نغرسها في أبنائنا... شئنا أم أبينا المدرسة هي البوتقة التي ينصهر فيها التلميذ، والمعلم قدوة له، استشعرنا بالتأثير المباشر أو لم نستشعره، تتراكم لدى التلميذ مشاهدات تتحول إلى استنتاجات في عقله الباطن من دون أن يدري تترتب عليها تصرفات تلقائية».


ويبدو أن هذه التلقائية هي ما تجعل طلاب اليوم ينظرون إلى الدروس الخصوصية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من العملية التعليمية، وامتناع المعلم عن الشرح في الفصل حقاً يمارسه، والغش الجماعي والفردي إجراء عادياً متبعاً في كل الامتحانات. هذه البداية «الطيبة» لمنظومة الفساد التي تضمن جيلاً فاسداً حتى النخاع لا تحتمل تبادل إلقاء التهم. لكن للأسف هذا ما يحدث.


مساعد أول وزير التربية والتعليم ورئيس قطاع التعليم العام الدكتور رضا أبو سريع اعترف بأن التعليم هو العمود الفقري لتعزيز قيم النزاهة والشفافية، لكنه (التعليم) يتأثر بمؤثرات أخرى كثيرة مثل الإعلام والأسرة والشارع. هذا التأكيد لمسؤولية جهات أخرى في إفساد ما يزرعه التعليم أشار إليه كذلك مدير مركز تطوير المناهج في وزارة التربية والتعليم الدكتور صلاح الدين عرفة الذي قال أن ما تزرعه المدرسة كثيراً ما يفسد بفعل ما يكتسبه الطلاب من النوادي والأقران والتلفزيون وغيرها.
يقول عرفة: «يجب أن نعلم أولادنا كيفية مواجهة الفساد في داخل العملية التعليمية».


هذه الدعوة الطموحة أثارت الكثير من الابتسامات بين الحضور الذين تساءلوا عن ماهية هذه الكيفية، ليرد المسؤول بوجود خط ساخن لتلقي بلاغات الفساد، بالإضافة إلى إعلان وزير التربية والتعليم الدكتور أحمد زكي بدر عن عنوان بريده الإلكتروني الشخصي من قبل عبر أحد البرامج التلفزيونية.


وإذا كانت مواجهة الفساد في داخل العملية التعليمية تتطلب ما هو أكثر من الإعلان عن عنوان الوزير الإلكتروني، فإن الطلاب أنفسهم لم يسمعوا من قبل عن مثل هذه القنوات، بل أن فكرة الإبلاغ عن الفساد غير واردة بالنسبة اليهم. يقول أحمد (14 سنة): «ليس عندنا فساد في المدرسة لأبلغ عنه!» وبسؤاله عن الدروس الخصوصية قال: «طبعاً كلنا نأخذ دروساً خصوصية!». وعن الغش قال: «يحدث أحياناً خصوصاً إذا كان الامتحان صعباً».


وإذا كان أحمد لا يعتبر كل ذلك أوجهاً مختلفة للفساد فإن هذا يؤكد صحة ما قاله رئيس ديوان رئيس الجمهورية الدكتور زكريا عزمي قبل سنوات من أن «الفساد قد وصل للركب».
المهم هو أن الفعالية المصرية التي أقيمت بغرض تأكيد «دور التعليم في تعميق قيم الشفافية والنزاهة لدى الطلاب» حفلت بعدد كبير من الحضور، وحظيت باهتمام إعلامي واسع. وانتهت الفعالية وتوجه الطلاب إلى بيوتهم وكل منهم يحمل ملصقاً مكتوباً عليه بالخط العريض «قل لا للفساد» واعتقاد راسخ بأن الفساد ينحصر في رجال الأعمال والأكل والأصدقاء.