التاريخ: تشرين الأول ٩, ٢٠١٢
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
 
حكم الإسلاميّين المعتدلين وضياع الوجهة - صلاح أبوجوده -

تكمن المشكلة في سعي الاسلاميين للتوفيق بين قيم لا يمكن ان تلتقي. انهم يتكلمون ولا شك على الديموقراطية والعدالة والحريات الشخصية، ومنها الحرية الدينية، لكن دوماً من منظار تقليدهم الديني الذي لم يتوصل الى نظرية حكم قابلة للحياة.

 

يؤخذ على أصحاب النزعة "الجوهريّة" (بمعنى قريب من مفهوم المثاليّة الأفلاطونيّ)، في تفسير خبرات الإسلاميّين المعتدلين الراهنة في حكم بعض البلدان العربيّة، وتحديدًا في مصر وتونس والمغرب، إهمالهم تأثير الأحداث التاريخيّة وتطوّر المجتمعات في طريقة فهم الناس إيمانهم ودوره في حياتهم، كما نزعتهم إلى تعميم مبسّط لنظرتهم إلى مسألة حكم الإسلاميّين، فلا يولون خصوصيّات كلّ بلد أهميّة كافية، ولا تنوّع الأحزاب الإسلاميّة وتعدّد التيّارات أحيانًا داخل الحزب الواحد.


فضلاً عن ذلك، يجمع العديد من المراقبين على أنّ الوقت لا يزال مبكِّرًا للكلام على الموضوع برمّته؛ فلا بدّ من إعطاء الإسلاميّين فرصة لبلورة مشروعهم أو بالأحرى مشاريعهم في البلدان التي تسلّموا فيها الحكم. وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه الحجج مبرّرة إلى حدّ بعيد. ولكنّ النظرة "الجوهريّة"- التي تعيد الخبرات المذكورة آنفًا إلى نواة جامدة في الفكر السياسيّ الإسلاميّ- إلى واقع الساحة السياسيّة التي يشغلها الآن الإسلاميّون المعتدلون تبقى قيّمة بالرغم من حدودها، لأنّها تساعد على فهم الغموض الذي يكتنف السياسات الإسلاميّة، وعلى تظهير وجهة التطوّرات.


تنتهج التيّارات الإسلاميّة الأقوى شعبيًّا في مصر وتونس سياسة برغماتيّة تُظهر قدرتها على التكيّف ومتطلّبات العمل السياسيّ المعاصر، وعلى اكتساب صفة الاعتدال أو الوسطيّة. فهي حاضرة على المسرح السياسيّ من خلال حزبَين سياسيّين رئيسيّين (حركة النهضة في تونس وحزب الحريّة والعدالة في مصر)، وقد تبنّت سياسة اقتصاديّة لا تتناقض وقواعد السوق الحرّة، وأبدت حرصها على الانفتاح الثقافيّ وتحسين مستويات التعليم ومكافحة الفساد، إضافة إلى تشديد الرقابة المدنيّة على المؤسّسة العسكريّة كما حصل في مصر، وتسعى إلى تمييز نفسها عن التيّارات السلفيّة.


ولكن يبرز في المقابل تحفّظها عن اعتبار الديموقراطيّة قيمة بحدّ ذاتها مع ما تنطوي عليه من تسليم بالحريّة الدينيّة المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بفصل الدين عن الدولة. ومن هنا يلاحظ غياب أيّ توجّه جديّ من قبلها لاعتماد ثقافة ديموقراطيّة تطال حقول المجتمع ومكوّناته كافّة، وغموضها الشديد في كلامها على "الدولة المدنيّة" التي تنادي بها، الأمر الذي يدخلها، من جهة، في مواجهة مع التيّارات الليبراليّة العلمانيّة واليساريّة في هذه الفترة الانتقاليّة الحرجة، ومن جهة ثانية، يشرّع الباب أمام الانتقاد "الجوهريّ" لتوجّهاتها التي تبدو بلا أفق.


ولعلّ بعض النقاط المثارة في عمليّة صياغة كلّ من الدستورَين المصريّ والتونسيّ تعبّر خير تعبير عن الأمر الأخير. إذ يبدو أنّ النقاش الدائر حول بعض موادّ مسودّتي هذين الدستورَين في صدد حسم موضوع الهويّة الإسلاميّة التي عنت لبعضهم في أعقاب زمن الثورات، انتماءً ثقافيًّا وقيميًّا فقط، ولبعضهم الآخر عودةً إلى الشريعة بصفتها مرجعًا قانونيًّا ودعوةً إلى أسلمة المجتمع.


في مصر، ثمّة إصرار من قبل القوى الإسلاميّة ومن بينها حزب النور السلفيّ وحزب الحريّة والعدالة، بدعم من الأزهر، على عدم المسّ بالمادّة الثانية من الدستور التي تنصّ على أنّ "الإسلام دين الدولة...ومبادئ الشريعة الإسلاميّة المصدر الرئيسيّ للتشريع"، بل يغلب توجّه يقضي بإضافة نصّ يُفيد بأنّ الأزهر الشريف هو مرجعيّة تفسير الشريعة الوحيد. وفي بداية هذا الشهر، طالب الأزهر بإضافة مادّة بعنوان "الذات الإلهيّة" على الدستور الجديد، تنصّ على أنّ "الذات الإلهيّة مصونة ويُحظَّر المساس بها، وكذلك ذوات أنبياء الله وأمّهات المؤمنين والخلفاء الراشدين والصحابة". وقد تبنّت القوى الإسلاميّة هذا الطلب مؤكّدةً في الوقت عينه أنّ هذه المادّة لن تنال من الحقوق والحريّات التي سيضمنها الدستور الجديد.


تُضفي المادّة الثانية في الواقع التباسًا شديدًا على الدستور وبالتالي على هويّة الدولة ونظامها. فالمادّة الأولى تنصّ على أنّ "جمهورية مصر العربيّة دولة نظامها ديموقراطيّ يقوم على أساس المواطنة". فكيف يمكن الديموقراطيّة القائمة على المواطنة أن تتّفق ومبدأ "الإسلام دين الدولة"؟ ويزداد الالتباس عندما نقرأ في المادّة الثالثة أنّ "السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات". فكيف يمكن الشعب أن يكون مصدر السلطات، وفي الوقت عينه الشريعة الإسلاميّة مصدر التشريع الرئيسيّ؟ يُضاف إلى ذلك أنّ اعتماد النصّ القائل بمرجعيّة الأزهر في تفسير الشريعة سيجعل المرجعيّة الدينيّة تحلّ محلّ القضاء ومحلّ اللجوء إلى أيّ استفتاء شعبيّ في هذا المضمار. أمّا مادّة "الذات الإلهيّة" التي يمكن أن تتعدّد تفسيراتها في مجتمع متعدّد الطوائف، فيمكن أن توفّر غطاء سهلاً لسياسة قمعيّة تطال الأوساط الفكريّة والإعلاميّة والفنيّة، ظهرت بعض ملامحها في ملاحقة بعض الفنّانين والتغييرات التي طالت وسائل إعلاميّة متنوّعة.


وفي تونس، نصّ الفصل الثالث من الدستور الجديد الذي سيصدر في شباط 2013، على التالي: "تضمن الدولة حريّة المعتقد وممارسة الشعائر الدينيّة وتجرّم كلّ اعتداء على المقدّسات الدينيّة". ومن جهة أخرى، تمّ اقتراح مشروع بند رقم 28 ينصّ على أنّ الدولة "تضمن حماية حقوق المرأة ومكتسباتها على أساس مبدأ التكامل مع الرجل داخل الأسرة بوصفها شريكًا للرجل في التنمية والوطن"، الأمر الذي اعتبرته العديد من الأحزاب السياسيّة والمنظمات الحقوقيّة والنسائيّة اعتداءً على حقوق المرأة التي تساويها مع الرجل والتي كُرِّست منذ العام 1956. ذلك أنّ المشروع الجديد يجعل من المرأة "مكمّلة" للرجل لا "مساوية" له.


يمكن ملاحظة التناقضات نفسها في الدستور التونسيّ الجديد في ما خصّ الديموقراطيّة ودين الدولة الإسلاميّ، والمواطنة ومكانة المرأة، إذ يأتي بند "تكامل" المرأة مع الرجل ليضع نهايةً لتقليد المساواة الذي عرفته البلاد طوال عقود.


وكذلك الأمر في شأن تجريم الإساءات إلى الدين. فهذا التجريم أتى في أعقاب اتّهامات وُجِّهت إلى عدد من الفنّيين والإعلاميّين بإهانة القيم الإسلاميّة، ويمكن توظيفه بسهولة لقمع حريّة التعبير التي يبدو أنّ المدافعين عنها سيخوضون حربًا مريرة من أجلها.


تكمن المشكلة في سعي الإسلاميّين للتوفيق بين قيم لا يمكن أن تلتقي. إنّهم يتكلّمون ولا شكّ على الديموقراطيّة والعدالة والحريّات الشخصيّة ومنها الحريّة الدينيّة، ولكن دومًا من منظار تقليدهم الدينيّ الذي لم يتوصّل إلى نظريّة حكم قابلة للحياة. لذا، فمنطلقات العدالة والحريّة لديهم ليست الأسس الإنسانيّة الصرف التي نشأت عليها حقوق الإنسان، بل دومًا ما يطلبه الله من الإنسان وما يترتّب على الإنسان من واجبات يمكن نعتها بالإلهيّة. ولا عجب أن يربط راشد الغنّوشي زعيم حركة النهضة في هذا الإطار بين العدل والفقه كما فهمه أبو حنيفة ألا وهو "معرفة ما يحقّ للمؤمن، وما يتوجّب عليه". أمّا الديموقراطيّة في نظره، فهي "التي تختار، من خلال صناديق الاقتراع، ما هو التفسير الصحيح للقرآن" (تصريحه لمجلّة "الواحة"، حزيران، 2012).


وفي الواقع، تندرج سياسة الإسلاميّين المعتدلين في خطّ فكريّ نشأ كردّ فعل على الأنظمة الديموقراطيّة العلمانيّة التي برزت في الغرب ولا سيّما في أوروبّا، وتقوم على العقل البشريّ وحده لتسيير شؤون المجتمع. وقد راوحت مواقف منتهجي ذلك الخطّ بين رفض كلّ ما يأتي من الغرب أو اقتباس بعض عناصره. أمّا الذين تجرّأوا على تبنّي النماذج الغربيّة صراحةً معتبرين الإسلام رسالة روحيّة صرفاً، لا شأن لها بتسيير شؤون المدينة، أو الذين سعوا ليجدوا في التراث الإسلاميّ نفسه أسس الديموقراطيّة والعلمانيّة، فلم يجدوا مكانهم في التيّارات الإسلاميّة الشعبيّة. وإزاء هذا الواقع، سيبقى الإسلاميّون المعتدلون ضائعين في موضعة الإسلام سياسيًّا، وإن أبدوا برغماتيّة لا يمكن إنكارها في مواجهة تحدّيات بلدانهم الداخليّة.


 

ألم يحن الوقت للخروج من هذا النمط الفكريّ؟ ألا يمكن تغييب الغرب ونماذجه والصدمات النفسيّة التي تسبّبت بها سياساته، والنظر إلى الواقع من زاوية مختلفة: ألا يمكن القول إنّ الشريعة في بعدها التنظيميّ كانت صالحة إلى حين "نضوج" الإنسان ليتحمّل مسؤوليّة نفسه؟ ألا يحرّر هذا المدخل الدينَ من وظائف "بشريّة" ويجعل منه مصدر إلهام لحريّة الإنسان ومنبع قيم توجّه قدراته الخلاّقة؟

 

أستاذ في جامعة القدّيس يوسف