التاريخ: تشرين الأول ١٠, ٢٠١٢
المصدر: جريدة الحياة
إخوان مصر في مواجهة الإعلام الجديد - عزمي عاشور
في المئة يوم الأولى من حكم الرئيس المصري محمد مرسي، استقبل الصحافيون أول حالة حبس لصحافي بتهمة إهانة الرئيس. وفي رد فعله على الحكم، سارع مرسي وأصدر قانوناً يلغي الحبس الاحتياطي بدلاً من أن يلغي القانون نفسه الذي يعاقب مَن يهين رئيس الجمهورية، وكأن الحبس 15 يوماً احتياطاً هو المشكلة. والمفارقة تأتي من أن هذا القانون سيئ السمعة لم يستخدمه الرئيس السابق حسني مبارك رغم ديكتاتوريته وحالة النقد الشديدة التي كانت تمارس ضد حكمه على مدار الثلاثين سنة الماضية، فمؤشرات المئة يوم الأولى تدلل على أن «الإخوان المسلمين»، سواء في شكل مؤسسة الرئاسة أو في حزبها، أو حتى في مكتب الإرشاد، لديهم مخطط سيصطدم مع الواقع بمتغيراته الجديدة وهو المتمثل بالسيطرة على الإعلام والصحافة، متجاهلين حقائق كثيرة على ارض الواقع، أبرزها أن الثورة التي أسقطت النظام السابق وجعلتهم يتصدرون المشهد، كان من بين أسباب نجاحها التناقض بين عقلية النظام القديم الذي ظل يعيش في جلباب الإعلام الموجَّه على هاجس وهم توريث السلطة، والإعلام الجديد بتنويعاته المختلفة وبصدقيته العالية، ممثَّلاً بالصحف المستقلة وغيرها. وانتقلت هذه الثنائية من الصحف إلى القنوات التلفزيونية، فلم يعد هناك فقط التلفزيون الحكومي، وإنما ظهرت الفضائيات بتنوعها، ثم المتغير الثالث المتمثل في «الإنترنت» والفضاء الاجتماعي بتطبيقاته المختلفة، والذي أظهر قدرة تأثيرية كبيرة. لذلك، ومهما كان التوجيه في الصحف القومية أو في القنوات التلفزيونية، فإنها تفقد مفعولها بسرعة كبيرة، نظراً لحالة التقارب والصدق التي جاءت مع الإعلام المستقل والفضاء الإلكتروني، اللذين استطاعا أن ينقلا المشكلات الموجودة في المجتمع ويخلقا منها حالة تواصل بين الشارع والإعلام بشكله الجديد. واستمر هذا الدور للإعلام المستقل على مدار السنوات العشر الأخيرة، ليس في خلق حالة تفاعل بين قضايا ومشاكل مثل ظاهرة الاحتجاجات السياسية والاضطرابات وانقطاع الكهرباء ونقص الخبز وغيرها، وإنما ساهم في تشكيل عقلية الجيل الجديد من الشباب، الذي لم يعد معتاداً -مثل آبائه- الخضوعَ والتسليم لإعلام موجه، وإنما وجد أمامه هذا الفضاء الذي يتميز بالتنوع، ناهيك عن الإنترنت، التي خلقت فضاء عابراً للسلطات الأسرية والدينية والسياسية. وهذا المناخ استطاع أن يكون همزة وصل بين التجمعات الأساسية للاحتجاج والمعارضة، فجعل لها قوة تأثير كبيرة حتى لو كانت قليلة العدد. والمدهش في الأمر أن هذه التطورات كانت تسير على أرض الواقع والإعلامُ الحكومي، أو ما كانوا يسمونه الشرعي، يعطي صورة معاكسة تماماً لما يحدث، ويصور الواقفين وراء هذا الحراك بأنهم خارجون على القانون، إلى أن وصلنا إلى ثورة 25 كانون الثاني (يناير)، والتي لعب فيها هذا الإعلام المستقل أيضاً دوراً رئيسياً، واستطاع في غضون أيام أن يضرب الإعلام الحكومي ضربة قاضية.
 
هذه المقدمة تهدف إلى تأكيد فكرة أساسية، وهي أن واقع الإعلام بتنويعاته، فرز مناخاً جديداً لم يستطع النظام القديم استيعابه، فكان سقوطه بسرعة رهيبة. وما يؤسف له أن الإخوان بحزبهم الحاكم يسيرون على نهج النظام القديم ويتجاهلون هذه الحقائق، سواء بمحاولة الهيمنة على الصحف القومية والإعلام الرسمي ومحاربة الصحافيين برفع دعاوى قضائية ضدهم. وهم سيفشلون مثلما فشل النظام القديم، استناداً إلى قاعدة هي الفيصل في الحكم، وهي الصدقية وليس الإيمان الحزبي أو الأيديولوجي.
 
لذلك، فمقولة أن الإخوان في طريقهم للهيمنة على الإعلام والرأي العام في مصر تُناقِض تفاعلات الواقع، حتى وإن كانوا بدأوا فعلياً بخطوات ملموسة بتغيير رؤساء تحرير الصحف القومية ووجود وزير إخواني على رأس جهاز الإعلام الرسمي.
 
 
* كاتب مصري