التاريخ: تشرين الأول ١٢, ٢٠١٢
الكاتب:
المصدر: موقع الوطن المصري
سياسات الذاكرة الوطنية فى مصر
تشهد الساحة السياسية فى الآونة الأخيرة صراعاً مكثفاً مكتوماً بين سياسات متناقضة لقراءة الذاكرة الوطنية القريبة، والبعيدة أيضاً. نشب أول هذه الصراعات منذ اللحظة الأولى لتولى مرسى الرئاسة؛ ففى لحظة إجماع وطنى فى ميدان التحرير، فاجأ الرئيس الجميع بعبارته الاعتراضية الشهيرة «وما أدراك ما الستينات». وبقدر ما بدت العبارة بدون مناسبة، بقدر ما أبرزت رؤية الإخوان لمنافسهم الحقيقى على الشرعية، أى ناصر، لا مبارك ولا نظامه ولا فلوله، كما أبرزت كيف أن ذاكرة التاريخ لا تزال تحكم صراعات الحاضر والمستقبل فى مصر.
 
استخدم مرسى فى خطابه تكتيك الإحالة الثقافية السلبية عندما استوحى قوله تعالى: «القارعة، ما القارعة، وما أدراك ما القارعة»، مستهدفاً تشويه مرحلة الستينات، لافتاً نظر جمهوره «الإسلامى» إلى مخاطر الدعوة لاستعادة روحها الثورية مستقبلاً، وهو اتجاه يجسده حنين شبابى وجماهيرى ملحوظ منذ الثورة، للوطنية الناصرية وللمناخ الثقافى والفنى المتعدد الذى طبع تلك المرحلة.
 
المثال الثانى يتعلق بتاريخنا «القريب»، وتحديداً بتفسير العلاقة بين الجيش والثورة والشعب. يتبنى الشباب الثورى صورة سلبية للجيش كأداة قمع أخيرة للنظام السابق، وكطرف راغب فى الاستمرار فى السلطة بعد إجهاض الفوران الثورى. فى المقابل، يدعم الخطاب الإخوانى خيارا نفسيا آخر هو «التناسى السعيد» بهدف تهدئة الذاكرة الوطنية، مؤكداً على «حقيقة» أن «الجيش حمى الثورة والشعب»، وأنه فى المحصلة التاريخية الأخيرة، سلم السلطة لرئيس منتخب، ولو بعد مماطلة.
 
المثال الثالث لسياسات الذاكرة، يتمثل فى الموقف من فلول النظام ورموز الفساد السياسى والاقتصادى فيه، وهنا تظهر دعوات الإخوان -وغيرهم- للعفو العام أو التقادم أو جبر الضرر أو التعويض، وغيرها من الإجراءات التى تزعم الاتجاه نحو بناء المستقبل السياسى والاقتصادى للبلاد، لا التوقف عند الرغبة فى التشفى والانتقام، وهو ما لا يتحقق إلا بالنسيان -أو لنقل التناسى- والعفو والمصالحة.
 
هذا المنهج فى «العدالة الانتقالية» دعت إليه قوى الثورة قبل أى طرف سياسى آخر، فأين يكمن الخلاف الحقيقى إذن؟
 
الخلاف تلخصه مقولة نيلسون مانديلا: «نعم للصفح، لا للنسيان»، ومقولة المعارض البولونى آدم مشنيك: «عفو عام، لا فقدان الذاكرة». العفو والصفح لا يكون إلا بعد تقصٍّ كامل للحقائق فى كل الوقائع، مقنع للرأى العام، وصدور أحكام رادعة تتضمن إدانة سياسية واضحة لا لبس فيها للسياسات الممنهجة التى كانت تتبعها الأجهزة وتكتلات المصالح والنفوذ أيام النظام السابق، ما يضمن عدم عودة نفس السياسات. بعد ذلك يمكن الحديث عن الصفح والمصالحة الوطنية وعن بناء للمستقبل على أسس ديمقراطية جديدة تمثل قطيعة مع سياسات الماضى، لا مجرد تناسيه والالتفاف حول جرائمه التى لا تسقط بالتقادم.
 
إن تجاهل الماضى غالبا ما يؤدى إلى ما يعرف بـ«فوران الذاكرة» التى تظهر بصورة اضطرابات غاضبة تعكس حالة من عدم الرضا فى أوساط ضحايا المرحلة السابقة، إضافة إلى الآلاف ممن توحدوا معهم نفسياً (النموذج الروسى). فى المقابل، يوفر الانتقال السلمى إلى الديمقراطية فرصة ثمينة أمام إعادة تشكيل الذاكرة الوطنية، أى معرفة الحقيقة التى كانت إما مخفية أو تم إنكارها فى السابق. إن عملية كشف الحقيقة وإعادة الاعتبار للضحايا يمكن أن تؤدى إلى شفاء الأمة من جروحها (نموذج جنوب أفريقيا). وهذا ما عبر عنه ديزموند توتو بقوله: «إن كشف الحقيقة فى مراحل الانتقال السلمى إلى الديمقراطية يؤدى إلى وقاية المستقبل من أى هجوم محتمل من الماضى».