التاريخ: كانون الأول ٢٣, ٢٠١٠
بلمار: هدف المحكمة استعادة سيادة القانون في لبنان
رئيس قلم المحكمة أكد أن المدعي العام لا يزال في مرحلة التحقيق

كلوديت سركيس 

قال المدعي العام الدولي للمحكمة الخاصة بلبنان دانيال بلمار، ردا "على الذين يدعون ان المحكمة مسيسة، نظرا الى استقلاليتي التامة في اتخاذ قراراتي والى استناد هذه القرارات الى الأدلة وحدها، فانني لا أسترشد سوى بالأدلة. ويبدو لي ان تلك الادعاءات يطلقها من قد يخاف نتيجة القرار الذي ستصدره المحكمة او الجهود التي تبذلها لكشف الحقيقة".


وأضاف في مقابلة بثها الموقع الالكتروني للمحكمة وأعلنت عنها "وحدة التواصل الخارجي" في المحكمة: "ارتأيت عدم تقديم قرار الاتهام الى قاضي الاجراءات التمهيدية ما لم أـكن مقتنعا على المستوى الاخلاقي، وما لم أطمئن الى توافر احتمال معقول لادانة الشخص". ولم أستخدم قط تعبير "شهود الزور" لأن استخدامه ينطوي على استنتاج. وأفضل استخدام تعبير "شاهد غير موثوق به".
وأوضح أن "أهم أداة منحت لي لأداء هذه المهمة هي الاستقلالية. فأنا استرشد بالأدلة وبضميري". وسئل عن أوجه الفائدة التي ستعود بها المحكمة على الشعب اللبناني فأجاب "تثبت ان من يرتكب جريمة لن يفلت من العقاب، وهي ستساعد على استعادة سيادة القانون في لبنان (...) وأن أحدا لا يعلو على القانون، وستكشف الحقيقة". وأكد "إن لجهودنا عددا من الاهداف بعيدة المدى".


أما رئيس المحكمة انطونيو كاسيزي فقال ان "مرتكبي الجرائم لم يعد في امكانهم الاستمرار في ارتكابها لأنهم سوف يقدمون الى العدالة". فيما أعلن رئيس قلم المحكمة هرمان فون هايبل ان المدعي العام بلمار "لا يزال حاليا في مرحلة التحقيق" في الملف.


وفي الآتي ما ذكره بلمار وكاسيزي وفون هايبل:
سئل بلمار: بماذا ترد على الذين يدعون ان المحكمة مسيسة؟ أجاب: "ان كون هذه المؤسسة منشأة من هيئة سياسية او كوننا نعمل في ظل بيئة على درجة عالية من التسييس لا يعني اننا مسيسون. وتتمثل الوسيلتان الاساسيتان لضبط التسييس والحماية منه في الاستقلالية والكفاية المهنية. لذا فان كل من يؤدون مسؤولياتهم، على الاقل في مكتب المدعي العام، والقضاة وغيرهم يتمتعون بالاستقلالية. وقد اكدت سلفا المقصود بالاستقلالية، وهو انني لا اتلقى تعليمات من احد، اما لو سمحت لنفسي بان اتأثر بالسياسة او بان اتبع التعليمات التي تمليها علي حكومة ما او اي طرف آخر فإني اكون مسيسا. ولكن نظرا الى استقلاليتي التامة في اتخاذ قراراتي، والى استناد هذه القرارات الى الادلة وحدها، فانني لا استرشد سوى بالادلة. ولذا اعتقد ان ادعاءات التسييس هذه لا اساس لها من الصحة. ويبدو لي ان تلك الادعاءات يطلقها من قد يخاف نتيجة القرار الذي ستصدره المحكمة او الجهود التي تبذلها لكشف الحقيقة. لذا فاني اكرر ان المحكمة ومكتب المدعي العام ليسا مسيسين.
* لماذا تستغرق التحقيقات وقتا طويلا؟


- اي تقدم ضئيل نحرزه هو نتاج لقدر كبير من العمل، لذا فان تتبع كل الادلة الموثوق بها او استبعاد تلك التي قد تكون غير موثوق بها يستغرق وقتا طويلا. والناس لا يرون كل هذا العمل، ولكنه ينبغي انجازه. تتسم هذه القضية بالتعقيد الشديد وعلينا مواجهة عدد من التحديات في التحقيق والتحديات العملية. لذا فان الوقت الذي يستغرقه اجراء التحقيق لا يختلف في اي شكل عن الوقت الذي استغرقته تحقيقات مشابهة اجراها آخرون.


* من هم الاشخاص الذين يجوز للمحكمة الخاصة بلبنان اتهامهم؟
- ينص النظام الاساسي على ان الاتهام يجب ان يوجه الى شخص، ولا يمكن ملاحقة المؤسسات والدول والمنظمات الاخرى. فوفقا للنظام الاساسي، يجوز ملاحقة الافرادوحدهم، وهم ينتمون الى فئتين واسعتين، اولا من يمكن ان اشير اليهم بالجناة الاساسيين، وهم من ارتكبوا الجريمة فعليا. وثانيا هؤلاء الذين ساعدوا على ارتكابها. وهناك ايضا من يمكن ان اشير اليهم بالمشرفين على الجناة الاساسيين او من يرعونهم او من هم مسؤولون عنهم. وهاتان في اختصار، هما الفئتان الواسعتان من الاشخاص الذين يمكن ملاحقتهم بموجب النظام الاساسي.


* ماذا يقصد بالادلة الكافية لاصدار قرار الاتهام؟
- ان الادلة التي احتاج الى استخدامها هي التي يشير اليها النظام الاساسي بالقرائن. ما معنى ذلك؟ معناه في اختصار انك تحوز بعض الادلة التي تثبت ان الشخص الذي تتهمه قد ارتكب الجريمة. ولكن، نظرا الى الوصمة الاجتماعية والمسؤولية الجمة التي أتحملها بصفتي المدعي العام، ارتأيت عدم تقديم قرار الاتهام الى قاضي الاجراءات التمهيدية ما لم أكن مقتنعا على المستوى الاخلاقي، وما لم أطمئن أقله الى توافر احتمال معقول لادانة الشخص. وهذا هو الاطار الذي أعمل من ضمنه.


•ما هي أنواع الادلة التي يمكن المدعي العام الاستناد اليها ليثبت قضيته؟
- أولا ننظر في الأدلة المقبولة حتى يتسنى ادراجها ضمن الادلة. ولكن ما هي أنواع الادلة التي نبحث عنها؟ نحن نبحث عن كل أنواعها، سواء كانت وثائقية، أو افادات الشهود او أدلة جنائية. لذا فان كل الأدلة جائزة ما دامت مقبولة، إذ إنني أرغب في بناء قضية قوية بقدر الامكان، مع الأخذ في الاعتبار انه يقع عليّ عبء اثبات ادانة المتهم من دون أي شك معقول، وهو عبء ثقيل جدا.


•هل سيستند قرار الاتهام الى شهادة "شهود الزور"؟
- إسمح لي أولا بأن أوضح انني لم أستخدم قط تعبير "شهود الزور"، لأن استخدامه ينطوي على استنتاج، أي أنك استنتجت بالفعل ان الشخص قد كذب. وافضل استخدام تعبير "شاهد غير موثوق به" ويجدر التوضيح ان قرار الاتهام عندما يرسل الى قاضي الاجراءات التمهيدية للمصادقة عليه سيكون مستندا الى أدلة موثوق بها. وقد سرت بعض الشائعات مفادها ان قرار الاتهام قد يستند الى أدلة قدمها من يعرفون بشهود الزور أو الشهود غير الموثوق بهم. وعلى سبيل المثال، عندما كنت أسعى الى اطلاق من كانوا محتجزين، اعتمدت في ذلك على تقويمي للأدلة المتاحة، واستنتجت أن تلك الأدلة لم يكن موثوقا بها بما فيه الكفاية لتبرير الاستمرار في احتجاز هؤلاء الاشخاص. لذا فان العنصر الرئيسي في هذه العملية هو تقويم صدقية الشهود. واذا استنتجنا ان الشهود ليسوا موثوقا بهم، فاننا لن نعتمد على شهادتهم، وأعتقد ان هذه نقطة مهمة ينبغي توضيحها، خلافا لما يقوله البعض عن أن قرار الاتهام سيستند الى أدلة يقدمها أشخاص يفتقرون الى الصدقية.


•ما هو دور المدعي العام؟
- في هذه الحالة بالتحديد يضطلع المدعي العام بدور مزدوج. فالمدعي العام هو كبير المحققين، اضافة الى كونه رئيس هيئة الادعاء. وهما مهمتان عادة ما لا تجتمعان في ظل النظام الوطني. ولكن دوري في نهاية المطاف هو كشف الحقيقة، من خلال إجراءات عادلة وموضوعية. نحترم حقوق المتهمين الأساسية. كذلك يكمن دوري في حماية مصالح الشهود والمتضررين. ولكن أهم جزء في مسؤوليتي، أو بالأحرى أهم أداة مُنحت لي للقيام بهذه المهمة، هي الإستقلالية. فأنا استرشد بالأدلة وبضميري.


وفي النهاية ينبغي لي التأكد من ان المتهم أو المتهمين قد ارتكبوا الجريمة، وان الاتهامات مدعومة بالأدلة، وتقع على عاتقي بصفتي المدعي العام مسؤولية جمّة نظراً إلى الاستقلالية التي اتمتّع بها، إذ يجب أن أحرص على الاستناد إستناداً كاملاً إلى الأدلة لدى تقديم أي اتهامات إلى قاضي الاجراءات التمهيدية.


• ما هي أوجه الفائدة التي ستعود بها المحكمة على الشعب اللبناني؟
- أعتقد أن للمحكمة الخاصة بلبنان أهمية كبيرة، وإلا لما تركت تقاعدي للعمل فيها. ولكن أين تكمن أهمية المحكمة؟ تكمن أولاً في أنها تثبت أن من يرتكب جريمة لن يفلت من العقاب. وأعتقد أن آمال الكثيرين في لبنان معلقة على هذه المحكمة التي ستساعد على إستعادة سيادة القانون في لبنان، ولا سيما التأكيد أن الجميع متساوون أمام القانون، وأن أحداً لا يعلو عليه. وأعتقد أن الغرض من المحكمة، إضافة إلى كشف حقيقة ما حدث في شباط 2005، هو بعث الأمل مجدداً في نفوس اللبنانيين ومساعدتهم على الوثوق بالنظام والتنعم بالحرية في بلادهم، ومنح مؤسسات الدولة في لبنان السلطة التي تحتاج إليها لمواصلة دعم الديموقراطية. لذا فإنني أعتقد أن لجهودنا عدداً من الأهداف البعيدة المدى. وإذا تمكّنا من تلك العملية فحسب، أعتقد أننا نكون قد نجحنا.


وسئل كاسيزي هل تتأثر المحكمة بالسياسة؟ فأجاب: "يجب أن نفكر في ضمانات ضد أي ضغوط سياسية. أعتبر أن النظام الأساسي للمحكمة ينطوي على هذه الضمانات بطريقة ما. في البداية، وفي ما يتعلق بالعاملين في المحكمة كالمدعي العام والقضاة ورئيس القلم ورئيس مكتب الدفاع، فقد تمّ إختيارهم بدقة، وقام المستشار القانوني ولجنة إختيار بالاطلاع على ملفات الأشخاص الذين رشحتهم الدول كافة، وأجريت معهم مقابلات. ثم اختاروا الأشخاص الأفضل في نظرهم من حيث النزاهة والكفاية المهنية والاستقلالية التامة. كذلك أعتقد أن أحد الضمانات التي نتوق الى تطبيقها هي الشفافية. وتعني الشفافية ان كل عمل نقوم به ينبغي ان يكون علنياً، باستثناء تحقيقات المدعي العام. فالتحقيقات، من حيث تعريفها، يجب ان تكون سرية. اي شيء نقوم به، موازنتنا، قواعد الاجراءات والاثبات، الاجراءات، كل شيء يجب ان يكون متاحاً للشعب وللمساءلة العامة.


• ماذا سيجني الشعب اللبناني من نجاح المحكمة الخاصة بلبنان؟
- آمل ان يستفيدوا من نجاح المحكمة، طبعاً في حال نجاحنا في جوانب عدة. اولاً سيفهمون ثقافة المساءلة الجديدة، ومفهومها الجديد. فالمساءلة ترتدي اهمية بالغة بالنسبة الى المجتمعات الحديثة.
فمرتكبو الجرائم لم يعد في امكانهم الاستمرار في ارتكابها لانهم سيُقدمون الى العدالة. وبالتالي ينبغي ان تتوقف سلسلة الاغتيالات السياسية في لبنان، اذ لا بد من محاكمة مرتكبيها.


وعن مهمة المحكمة والجرائم التي يمكن ان نحقق فيها، قال كاسيزي "ان مجلس الامن والمستشار القانوني للامم المتحدة حددا نطاق المحكمة وصاغا النظام الاساسي، فضلاً عن الاشخاص الذين ساهموا في صياغة هذا النظام وقرروا ان تكون مهمة المحكمة محصورة بملاحقة ومحاكمة مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، اضافة الى اي جرائم ارهابية متلازمة ومرتكبة بين العامين 2004 و2005. واضيفت لاحقاً فئة ثالثة متعلقة بالجرائم المتلازمة التي وقعت بعد عام 2005. ومن الضروري بالنسبة الى هذه الفئة (الاخيرة) فقط، اذا قررت المحكمة الفصل في هذه الجرائم (التي وقعت بعد 2005) ان يوافق مجلس الامن والحكومة اللبنانية على توسيع مهمة المحكمة. لذا تدخل الفئتان الاولى والثانية ضمن اختصاص المحكمة. اما الفئة الثالثة فيتوقف اختصاصها على قرار واتفاق بين لبنان ومجلس الامن".


ورداً على سؤال عن القرار الاتهامي وهل كان نتيجة نهائية لعمل المحكمة قال رئيس القلم فون هايبل: "ادرك ان المعنى الدقيق لاصدار قرار الاتهام يشكل محور نقاش مستفيض. ومن المهم جداً في نظري ان نضع في اعتبارنا ان قرار الاتهام هو الخطوة الاولى في الاجراءات، ويمثل حصيلة التحقيقات التي اجراها المدعى العام. ويعتبر هذا القرار ادعاء، وليس فصلاً في ادانة المتهم او براءته. ويتمتع القاضي وحده بسلطة الفصل في الادانة او البراءة، مما يعني ان قرار الاتهام ما هو الا بداية. اذ يُقدّم الى قاضي الاجراءات التمهيدية ولاحقاً الى غرفة الدرجة الاولى (المحكمة) التي تختص وغرفة الاستئناف (محكمة الاستئناف) وحدهما باتخاذ القرار النهائي في شأن ادانة المتهم او براءته".


واشار فون هايبل الى ان "المدعي العام بلمار لا يزال حالياً في مرحلة التحقيق، وبمجرد تقديمه الى قاضي الاجراءات التمهيدية ينبغي لهذا الاخير تصديقه كلياً او جزئياً، ويكون مسؤولاً بعد ذلك عن اعداد القضية قبل المحاكمة الفعلية. وينبغي انجاز قدر كبير من العمل، ولا سيما في ما يتعلق بالمواد التي يجب ان يقدمها المدعي العام الى المتهم ومحاميه، ثم يتم اجراء المحاكمة التي قد يعقبها استئناف في النهاية. وتمثل هذه الخطوات المراحل الرئيسية في محكمتنا.


وكان بيان لـ"وحدة التواصل الخارجي" في المحكمة اعلن عن بدئه "صفحة التواصل على الموقع الالكتروني للمحكمة". واضاف ان الصفحة ستتضمن "الاسئلة المتداولة عن المحكمة واجوبة من المسؤولين الرئيسيين".