التاريخ: كانون ثاني ٣١, ٢٠١٣
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
هل تخافون من مشاركة المرأة؟ - فاديا كيوان

كم هي المرارة التي تشعر بها النساء في لبنان اليوم وهن نصف الكتلة الناخبة، أمام ما آلت إليه مشاريع الانتخاب المتداولة بين السياسيين والتي تجاهلت جميعها ضمان حق المرأة في المشاركة في الترشيح للانتخابات العامة المقبلة.

 

من الطبيعي أن  ترحب المرأة بفتح نقاش واسع على الصعيد الوطني بهدف إقرار قانون إنتخابي يؤمن حسن تمثيل فئات الشعب اللبناني كافة، لكننا رأينا السيناريوات المتعددة التي يسعى إليها كل  الأفرقاء والتي من شأنها في كل مرة ضمان حق هذا الفريق وذاك الفريق وضمان فوزه، وفي الوقت نفسه، نرى هذا الاستخفاف بموضوع ضمان دخول المرأة في اللوائح الانتخابية وضمان شروط فوز نساء في كل اللوائح ولدى كل الفرقاء السياسيين.


إن النظام السياسي اللبناني قائم على الكوتا والهدف من الكوتا ضمان فوز من يكون فوزه مستحيلا بدون هذا التدبير الاستثنائي، لكن الكوتا هذه تهدف إلى حماية الطوائف والمذاهب، وهناك إقرار بوجودها كفئات من الشعب اللبناني. وفي الوقت نفسه نتغاضى عن واقع لا جدال فيه وهو أن المرأة فئة من فئات الشعب اللبناني ولها رأيها ونظرتها إلى الأمور، ناهيك عن مصالحها وقضاياها، وهي تشكل عموما نصف كل طائفة ونصف كل مذهب ونصف المتضررين على الأقل من كل القرارات السيئة التي اتخذتها الطبقة السياسية في لبنان لغاية اليوم، والتي أمطرت علينا جميعا وعلى وطننا المآسي والويلات والحروب والفتن والاستتباع للخارج والافلاس والضائقة المادية وانعدام أفق الحلول...


كيف لنا أن ندّعي صحة التمثيل وفي الوقت نفسه نتجاهل المرأة ونتغاضى عن حقها في المشاركة وفي التمثيل فنقصيها ونقصي معها نصف اللبنانيين؟


كأنما الفرقاء السياسيون اللبنانيون لا يرون ما يجري من حولنا وكيف أن الدول العربية كافة – وحتى تلك التي اشتهرت بالقيم المحافظة - قد اتخذت تدابير استثنائية لضمان مشاركة المرأة وتعزيز فرصها في الفوز في الانتخابات وفي التعيينات. جاء ذلك في دول الربيع العربي وفي الدول العربية الأخرى على حد سواء. وحده لبنان ما زال يهرب من ذاته.  فلماذا يا ترى يخاف ساستنا من مشاركة المرأة؟
أيخافون أن تدفع المرأة بالبلاد نحو الفتنة الطائفية؟ أو المذهبية؟ أو أن تكشف لبنان على الخارج وتفرّط بالسيادة الوطنية؟ أيخافون أن تدفع بالبلاد إلى الإفلاس والمؤسسات العامة إلى مزيد من الفساد والخدمات العامة إلى وضع متردّ أكثر؟


إن المرأة اللبنانية موجودة في كل التيارات السياسية والأحزاب وفي كل إتجاهات الرأي. نراها في كل الساحات وفي اللقاءات والمهرجانات وفي كل المحافل العامة.  فالمرأة ناشطة سياسيا كما الرجل ولها رأي وموقف.


هل نحن بحاجة للتذكير بأن المرأة تشكل خزّان المتطوعين في مؤسسات المجتمع المدني في لبنان؟ هل هناك داع للإشارة إلى تألق نساء في العديد من الأوساط المهنية؟ هل نذّكر بنسب نجاح الطالبات في المدارس والجامعات وبالأداء اللافت للعديد منهن في شتى المجالات؟


هل هناك ضرورة للتذكير بأن مساهمة المرأة في الناتج القومي أساسية حيث أن حوالى 30 في المئة من النساء منخرطات في عمل إقتصادي ناهيك عن مهمات المرأة العديدة في الحياة الأسرية وإن هي لا تحتسب من ضمن الناتج القومي؟...


المرأة اللبنانية مواطنة، يعطيها الدستور اللبناني ويطلب منها ما يعطيه للرجل ويطلبه منه. فكيف نبحث عن الضمانات لمشاركة مختلف فئات الرجال وننسى مشاركة المرأة؟
لقد أكد الدستور اللبناني في الفقرة (ب) من مقدمته أن... لبنان ملتزم مواثيق منظمة الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الأنسان وتجسد الدولة هذه المبادىء في جميع الحقول والمجالات دون استثناء... وأكد منهاج عمل مؤتمر بيجينغ في العام 1995، على ضرورة اتخاذ تدابير استثنائية لضمان مشاركة 30 في المئة على الأقل من النساء في مواقع السلطة وصناعة القرارفي كل الدول، وذلك قبل 2005.
وأكدت بدورها إتفاقية سيداو على تلك التدابير الاستثنائية والموقتة وقد أبرمها لبنان في العام 1997.


ووافق مجلس الوزراء اخيرا على الاستراتيجية الوطنية العشرية للمرأة اللبنانية والتي تنص على التدابير الاستثنائية والموقتة لضمان مشاركة المرأة في الحياة السياسية وفي مواقع السلطة... أين نحن من كل ذلك؟


إننا نخجل من هذه الخفة وهذا الاستخفاف، وعلى القيادات الوطنية على اختلافها المضي في السعي  لضمان مشاركة 30 في المئة على الأقل من النساء في اللوائح الانتخابية في حال اعتماد النظام النسبي، واتخاذ تدابير خاصة ومؤقتة لضمان فوز نساء من خلال فرض تراتبية منصفة في لوائح الترشيح ، أو تخصيص صوت تفضيلي للمرأة أسوة بدول العالم التي تعتمد تدابير استثنائية في لوائح المرشحين.


أما إذا اتجهت الدولة إلى إقرار نظام انتخاب أكثري فيمكن تخصيص 14 مقعدا للمرأة يمكن أن توزع مناصفة بين المسيحيين والمسلمين أسوة بالمقاعد الأخرى التي يحتلها الرجال. وإذا كان هناك تهافت بين الرجال من حول هذه القيادات الوطنية ،على المقاعد المتاحة حاليا، فلماذا لا يتم استحداث 14 مقعدا مخصصة للنساء؟


فلقد رأينا السياسيين يجترحون الحلول لإرضاء بعضهم بعضا ولم يترددوا في اقتراح زيادة عدد النواب وتقاسم ذلك بالكوتا في ما بينهم.


عيب علينا كلبنانيين أن نتجاهل هذه المسألة وننتظر أن تصدر تقارير دولية تلوم الديموقراطية اللبنانية وتصفها بالديموقراطية المسخ. وعيب وألف عيب أن ينحدر لبنان الدولة الليبرالية الأولى في العالم العربي، الدولة العربية الأولى في الانفتاح على قيم حقوق الانسان (أليس لبنان عضواً مؤسساً لمنظمة الأمم المتحدة وفاعلاً فيها وملتزماً مواثيقها كافة؟) إلى أسفل قائمة الدول في مجال المشاركة السياسية للمرأة. فنكون في المرتبة الأولى فقط في صحن الحمص وفي مرتبة متقدمة في لائحة الفساد؟


هل تريدون من المرأة اللبنانية في كل الطوائف والمذاهب أن تعي أنها غير معنية بخلاف الطوائف والمذاهب على الحصص وأنها موضع تمييز في كل الطوائف والمذاهب وأنها غير معنية حتى بالانتخابات ؟ فتكون عندها المرأة هي الرافعة الأولى للدولة المدنية؟

 

مديرة معهد العلوم السياسية في الجامعة اليسوعية