التاريخ: أيار ٣٠, ٢٠١٣
المصدر: جريدة الحياة
القضاء في مصر: العقدة والحل - كرم سعيد
أزمة القضاء في مصر مرشحة لمزيد من التفاقم والتوتر، إذ لم تمض أيام قليلة على الهدنة بين القضاة وجماعة «الإخوان المسلمين» التي تمسك وحدها بمفاصل الدولة الحساسة، بفضل لقاء رئيس الجمهورية والهيئات القضائية نهاية نيسان (أبريل) الماضي وتعهده تنظيم مؤتمر العدالة ورعايته، حتى عادت العناوين الخلافية بين الطرفين مجدداً.
 
وعلى رغم أن لقاء الرئيس محمد مرسي والقضاة حقق انفراجة نسبية وحرك المياه الراكدة في بحر الأزمة، بعد تعهد الأول التوصل إلى صيغة منصفة ومرضية في آن بشأن إعادة ترتيب البيت القضائي، إلا أن قرار مجلس الشورى بفتح الباب من دون سابق إنذار لمناقشة مشروع قانون السلطة القضائية أعاد الأمور إلى الصفر.
 
والأرجح أن الوضع وصل إلى ذروة التأزم، وكان بارزاً هنا تصعيد في التصريحات التي حملت تحدياً من الأطراف كافة، فمن جهته، أعلن مجلس القضاء الأعلى تجميد المشاركة في مؤتمر العدالة، فيما أعلن نادي قضاة مصر الذي استقبل غيرهارد درايسنر رئيس الاتحاد الدولي للقضاة موقفاً أكثر حدة بإعلانه مقاطعة فعاليات مؤتمر العدالة في حال انعقاده.
 
على الضفة الأخرى، أكد مجلس الشورى أنه ماض في طريقه لإقرار القانون، باعتبار أن سلطة التشريع هي حق أصيل للمجلس، وأضاف وكيل اللجنة التشريعية في تصريح: «نحن ماضون في طريقنا لإقرار قانون السلطة القضائية شاء من شاء وأبى من أبى».
 
والواقع أن الصدام الحادث الآن بين القضاء والنظام الحاكم لم يكن الأول من نوعه، إذ سبقته أزمات أخرى على مدار الأشهر التي خلت وما زالت تداعياتها السلبية تلقي بظلالها على المشهد العام في مصر، خصوصاً الأزمة المتعلقة بأحكام البراءة لرموز النظام السابق، وما تلاها بشأن منصب النائب العام ثم الصدام مع نادي القضاة بشأن الإشراف القضائي على الاستفتاء على الدستور.
 
لكن ما جرى في الأيام الفائتة يبدو مختلفاً عما حدث من قبل بسبب خصوصية مشروع قانون السلطة القضائية، والآثار المترتبة عليه لقطاع واسع من القضاة.
 
صحيح أن أزمات عدة تم التحايل عليها بالالتفاف أو عبر طقوس احتفالية تخفي أكثر مما تبدي وتغطي أكثر مما تكشف، وبدا ذلك جلياً في موقف وزير العدل الجديد، وتهوينه من الأزمة، إذ اعتبر ما تمت مناقشته في مجلس الشورى بشأن قانون السلطة القضائية، بما في ذلك خفض سن تقاعد القضاة، لم يتجاوز كونه مجرد أفكار، لم ترق إلى مشروع قانون، إلا أن الأزمة الراهنة تبدو مرشحة للتفاقم.
 
والأرجح أن السجال الدائر الآن بين النظام والقضاة عمق الاستقطاب، وزاد من تشرذم المجتمع، وربما كان من الأجدر التراجع موقتاً عن هذه الخطوة الضرورية، خصوصاً أن ثمة ارتباكاً سياسياً تعيشه البلاد منذ وقت بعيد، ومن دون أمل كبير في الخروج من الشرنقة.
 
وإذا كان الرصيد التقليدي للسلطة القضائية في مصر سجل تآكلاً ملحوظاً بعد ثورة 25 يناير كشفته الأحكام القضائية بشأن حل مجلس الشعب والجمعية التأسيسية وغيرها من الأحكام الصادرة ببراءة أركان النظام السابق، إلا أن الهجوم المستمر وغير المبرر على سدنة القضاء لهو أمر يخاصم العقل والمنطق.
 
صحيح أن القضاء المصري سار في طريق متعرجة لم تُعرف ملامحها بوضوح في الفترة الأخيرة، إلا أن الإنصاف يقتضي القول إنه راكم قبل ثورة 25 يناير الكثير من الممانعة في وجه سلطة مبارك ونظامه المستبد، ولعبت المحكمة الدستورية العليا دوراً أساسياً في تعديل بعض الجوانب الإجرائية المشوهة في قانون مباشرة الحقوق السياسية من خلال إقرار مبدأ الإشراف القضائي على الانتخابات.
 
القصد أن أزمة القضاء أكبر من مجرد قانون سيطرح للنقاش، وإنما تعود بالأساس إلى تراكمات سابقة نتيجة غياب دولة القانون طوال العقود التي خلت، إضافة إلى توظيف القانون لأهواء السياسة، وطغيان السلطة التنفيذية على ما عداها، ناهيك عن إقحام الهيئات القضائية في غير اختصاصاتها، ومن ذلك مثلاً الفصل في أحقية الرخص القانونية للأحزاب من عدمه، فضلاً عن الأحكام الإدارية في القضايا الاقتصادية التي هي من صلب أداء الحكومة والجهات الإدارية.
 
المهم أن خطوات الإصلاح القضائي، على قدر مرارتها للبعض، تبدو ضرورية، ولكن في إطار تدريجي، خصوصاً أن القضاء بوضعيته الراهنة ما زال يحمل بين جوانحه كل ما يجعله قادراً على الاستقلالية والدفاع عن المصلحة العامة.
 
لذلك قد يكون من المبالغة وضع المؤسسة القضائية موضع المتهم، كما أن من سوء التقدير المطالبة بإعادة هيكلة المنظومة القضائية جملة واحدة، فالإصلاح واجب، ولكن، يبقى التدرج مطلوباً، إضافة إلى أهمية إعلاء قيم الخبرة والكفاءة بدلاً من الاستناد إلى أهل الثقة وأفراد العشيرة.
 
* كاتب مصري