تحمّست "حماس" لثورات "الربيع العربي" أكثر من أية حركة فلسطينية أخرى، لكنها، في الغضون، لم تنتبه إلى أن ذلك يتطلّب منها أكثر من مجرّد إعلان موقف، لاسيما أنها ليست فصيلاً فحسب، وإنما هي بمثابة سلطة في غزة.
ولا يخفى على أحد أن "حماس" أقامت سلطة أحادية في القطاع، منذ الاقتتال والانقسام الفلسطينيين (2007)، وهي لا تشرك حتى حلفائها في ذلك، والأنكى أنها تنتهج سياسة الهيمنة على المجتمع، والتدخّل في خصوصيّات الناس، بطريقة زجرية، في تحديدها شكل قصّات الشعر، وموديلات البناطيل، والسلوك العام، ومنع السفر، والتضييق على حرية الرأي. وقد وصل الأمر حدّ قيام وزير داخليتها بتوجيه القوى الأمنية للسهر على ما سماه الحفاظ على "منسوب" الرجولة في غزة.
عموماً، فقد كانت هذه المسائل موضع مراجعة نقدية في المجلس التشريعي الذي عقد في القطاع، قبل أيام، وركّز على استجواب وزير الداخلية المذكور، بشأن تصريحاته المثيرة، وممارسات الأجهزة الأمنية التي تخضع له، حتى أن موسى أبو مرزوق، القيادي في "حماس"، تساءل عن تلك التصريحات بنوع من الاستهجان، وثمة آخرون غيره انتقدوا، أيضاً، شكل ممارسة حركتهم للسلطة، وضمنهم الدكتور احمد يوسف، وغازي حمد (وكيل وزارة الخارجية).
وكان خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي، تحدث علنا عن أزمة السلطة عند "حماس"، وعند مجمل الحركات الإسلامية، في مداخلة ألقاها في مؤتمر "الإسلاميون ونظام الحكم"، الذي نظمه "المركز العربي للأبحاث" (الدوحة 8/10/2012)، إذ قال: "خضنا تجربة ونتعلّم منها وقد أخطأنا في أشياء ونتعلم من ذلك". وفي حينه طالب مشعل القوى السياسية العربية، وضمنها حركات الإسلام السياسي، أن تؤسّس لنموذج معاصر للديموقراطية، مؤكداً أن "هناك فرقاً بين موقع المعارضة والحكم... وأن على الإسلاميين الاعتراف بأن الحكم أعقد مما كانوا يتصورون".
على ذلك فإن "حماس" مطالبة بتأكيد صدقيتها بشأن حماستها للربيع العربي، لا بالكلمات فقط، وإنما بالأفعال، ولا باعتباره سلّماً لصعود التيارات الإسلامية، وإنما لما يختزنه من امكانات التغيير في العالم العربي، لترسيخ قيم الحرية والمساواة. أي أن "حماس" مطالبة بترسيخ الحرية والمساواة والكرامة والديموقراطية في ممارستها للسلطة، مع حقها بنشر تصوراتها في المجتمع، بالوسائل التي يكفلها القانون للجميع، بعيداً عن القسر وإلغاء الآخر ودون اقحام اجهزة الأمن في حياة المواطنين؛ وبديهي أن ذلك ينطبق على السلطة في الضفة، لكن هذه في وادٍ والربيع العربي في وادٍ آخر.
والقصد أنه لا يمكن التعامل مع "الربيع العربي" بانتقائية، و"حماس" ومعها مجمل التيارات الإسلامية، وغير الإسلامية، مطالبة بإدراك ذلك، لمصلحتها، ولمصلحة المجتمع.
|