التاريخ: حزيران ٩, ٢٠١٣
المصدر: جريدة الحياة
شباب ثائرون وسياسيون تقليديون! - السيد يسين
أدركت أخيراً، وهو خطأ لا بد لي أن أعتذر عنه، أن الصراع الدائر الآن في بلاد ثورات الربيع العربي ليس بين تيارات إسلامية تتمثل في جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر وحزب «النهضة» في تونس و»إخوانيين» في ليبيا، وتيارات ليبرالية أو علمانية أو حداثية بحسب المصطلح المناسب في كل بلد، ولكنه بكل صراحة بين أجيال الشباب المندفع والزاخر بالطاقات الهائلة التي جعلته يحطم في نفسه أولاً حاجز الخوف من النظم المستبدة قبل أن ينطلق ليشعل الثورة في كل بلد من بلدان الربيع العربي، وبين أجيال الكهول والشيوخ من العجائز الذين يتحركون فكرياً وجسدياً بصعوبة بالغة، والذين أصاب التبلد السياسي أذهانهم، وحسبوا أنهم يستطيعون العيش مرة أخرى بطرقهم القديمة البالية التي سقطت مع سقوط النظم الاستبدادية! وهذه الطرق القديمة البالية تتضمن من بين ما تتضمنه المساومات وعقد الصفقات من وراء ستار، وتوزيع المقاعد، واقتسام الفوائد والمنافع، بل وممارسة الكذب السياسي جهاراً نهاراً حين يفضح أمر الصفقات السرية.

وقد برز صراع الأجيال بروزاً واضحاً في الشهور الأخيرة في مصر بعدما تبين عجز النخب السياسية المعارضة التقليدية في مواجهة استبداد جماعة «الإخوان المسلمين»، والتي استطاعت عبر إجراءات ديموقراطية زائفة أن تستولي على مجمل الفضاء السياسي المصري، فقد امتلكوا بوضع اليد مجلسي الشعب والشورى وقفزوا بعد ذلك إلى موقع رئيس الجمهورية، وهم الآن وفقاً لخطة التمكين المحكمة يزحفون بصورة منهجية لاحتلال مقاعد غالبية المحافظين، ويتسللون إلى مفاصل الدولة الرئيسية من خلال تعيين أعضاء الجماعة في المناصب الإدارية العليا.

وهناك خطط لوضع قانون جديد للسلطة القضائية ينص فيه على خفض سن القضاة إلى سن الستين، وبالتالي يتم فصل أكثر من ثلاثة آلاف قاض وتعيين مئات المحامين من أعضاء جماعة «الإخوان المسلمين» في القضاء، إعمالاً لنص مهجور في قانون السلطة القضائية.

وقد اجتهدت جبهة «العواجيز السياسية» في مقاومة المدّ الإخواني للسيطرة على الدولة والمجتمع نفسه، وذلك بتشكيل «جبهة الإنقاذ» والتي تضم عدداً من الأحزاب السياسية والتي سرعان ما دب الخلاف بينها.

لقد فشلت الجبهة فشلاً ذريعاً في اجتذاب الجماهير لها، لأنها تلجأ إلى الأساليب التقليدية الفاشلة والتي تتمثل في عقد المؤتمرات في الفنادق، والتنافس على الوقوف وراء الميكروفونات وأمام الكاميرات لإصدار تصريحات «عنترية» لا وزن لها.

وحين أحست جبهة المعارضين بإفلاسها اتخذت قرارات كوميدية في الواقع!

منها قرار بإنشاء برلمان مواز للبرلمان المصري لمناقشة مشكلات البلد ووضع حلول لها! وقرارات أخرى لعدد من الأحزاب لتشكيل «حكومات ظل»، وصرح أحد قادتها بأن حكومة حزبه لن تزيد على خمسة عشر وزيراً، وأنها ستقوم بتقديم حلول ناجعة لمختلف المشكلات التي تواجه الجماهير!

ولم يسأل أحد نفسه من نخبة عواجيز السياسة كيف سيتصدون لحل المشكلات وليست لديهم البيانات الأساسية التي هي تحت يد الأجهزة الحكومية وذلك في أي قطاع من القطاعات.

ونتيجة لاتساع شقة الانقسام السياسي بين جماعة «الإخوان المسلمين» وباقي الأحزاب السياسية وفشل نخبة عواجيز السياسة في صوغ حلول سياسية لمواجهتها وهزيمتها سياسياً إنبرت جماعات الشباب الثوري للمشكلة بحل سياسي نضالي إبداعي في الواقع.

وتمثل هذا الحل في حركة «تمرد»، والتي سرعان ما انتشرت في المدن والقرى والنجوع عن طريق مئات الشباب من المتطوعين، والذين أخذوا يجمعون تواقيع الناس لسحب الشرعية السياسية من رئيس الجمهورية والمطالبة بعقد انتخابات رئاسة مبكرة.

والشباب الثوري في هذه المبادرة الديموقراطية السلمية استطاعوا بحدسهم السياسي أن يضعوا أيديهم على جوهر الشرعية السياسية كما أجمع عليها علماء السياسة، وكما تواتر تطبيقها في البلاد الديموقراطية الراسخة، وهو أنها رضى الغالبية العظمى من المواطنين عن الحكم القائم.

بعبارة أخرى لو استطاع هؤلاء الشباب عن طريق ملايين استمارات «تمرد» الموقع عليها بالاسم والرقم القومي إثبات أن عشرات الملايين من المصريين يسحبون الشرعية السياسية من رئيس الجمهورية من خلال التعبير عن عدم رضاهم عن حكمه، ويدعون في الوقت نفسه – ديموقراطياً وليس عن طريق العنف- لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة حتى يقول الشعب كلمته، فمعنى ذلك أنهم بإبداعهم السياسي المثير تجاوزوا بكثير بلادة الأساليب التقليدية التي تخصص في ممارساتها عواجيز النخب السياسية السائدة.

ومعنى ذلك – إذا ما صوبنا نظرنا إلى المستقبل القريب وليس البعيد - أننا سنشهد في دول الربيع العربي أجيالاً جديدة من الشباب الثوري يمتلكون رؤى مختلفة عن العالم تتميز عن رؤى العالم التقليدية التي عششت في عقول الأجيال السياسية القديمة، والتي تظن وهماً أنها يمكن أن تحكم هذه البلاد الربيعية الثائرة والتي غالبية السكان فيها من الشباب الذين أصبحت تفصل بينهم وبين الأجيال السابقة مسافات شاسعة من التباينات ليس في رؤى العالم فقط، ولكن في نسق القيم الذي يعتنقونه وفي الأساليب التي ينتهجونها في الصراع السياسي، وفي الأحلام التي يريدون تحقيقها على أرض الواقع، والتي ترى الأجيال السابقة أنها وهم من الأوهام.

وهناك أسئلة بالغة الأهمية مطروحة للنقاش:

هل يمكن فعلاً صوغ المجتمعات العربية الثائرة صوغاً جديداً في ضوء تحقيق شعارات الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية واحترام الكرامة الإنسانية؟

وهل يمكن حقيقة تحقيق مبدأ المواطنة وتفعيله في العمل بحيث لا يكون هناك تمييز لأي سبب بين مواطن وآخر؟

وهل يمكن إيجاد مجتمع عالمي يسوده السلام بدلاً من الصراع، وينهض على أساس حوار الثقافات بدلاً من صراع الحضارات، في ظل نسق عالمي للقيم يعبّر تعبيراً حقيقياً عن الوعي الكوني العالمي الذي بدأ يتشكل تحت تأثير ثورة الاتصالات الكبرى وأدوات التواصل الاجتماعي الحديثة؟

كل هذه الأهداف ليست حلماً طوباوياً يهيمن على عقول الشباب العربي وهم جزء من الشباب العالمي، ولكنها فلسفة الأجيال الجديدة، والتي لا بد لنا نحن «عواجيز العالم» أن نحاول فهمها وفك شفرتها حتى نستطيع أن نتعايش مع أجيالنا الجديدة المتوثبة!

ومما لا شك فيه أننا – كمواطنين عرب بشكل عام- نحتاج إلى إعادة تثقيف أنفسنا من جديد من خلال الإطلاع المنهجي على البحوث الحديثة التي أجريت أخيراً عن أجيال الشباب الجديدة.

ومن أبرز الكتب التي صدرت أخيراً كتاب «جيل الشباب في الوطن العربي ووسائل المشاركة غير التقليدية من المجال الافتراضي إلى الثورة». يضم الكتاب مجموعة متميزة من دراسات عدد من الباحثين الشباب بإشراف محمد العجاتي، وأصدر الكتاب «مركز دراسات الوحدة العربية» في بيروت (نيسان / أبريل 2013).

في هذا الكتاب الرائد دراسات عن سمات الجيل العربي الجديد والبنية المعرفية للشباب العربي، وغيرها من الدراسات المتميزة. علينا أن نتعرف على أجيال المستقبل!


* كاتب مصري