لا حاجة لمناقشة حيثيات دعوة بعض المشايخ للجهاد في سوريا، ليس لأن القصّة لا علاقة لها بالدين، ولا لأنهم لا يمتلكون شرعيّة لدعوة كهذه، ولضرورة التمييز بين الشرعيّة الدنيوية المتأتية من البشر، والشريعة الدينية المتأتية من السماء، وإنما لأن دعوة كهذه باتت بمثابة عدّة شغل، وعملاً روتينياً، اعتاده بعضهم، للتعبير عن دعمه لهذه القضية أو تلك، دون أن يعني ذلك شيئاً، هذا أولاً. وثانياً، لأن الجهاد ليس مجرّد كلمة تقال، فله مستحقات، ويتطلّب إمكانات، ضمنها حرية التنقّل، ناهيك عن أن الصراع في سوريا بات له أكثر من عامين، ومن أراد أن ينخرط فيه لم ينتظر أية فتوى. وثالثاً، لأن الجماعات الجهادية لا علاقة لها بأصحاب الدعوة، وهي لا تنظر بعين الودّ إلى المشايخ الذين أصدروها، هذا إن لم يذمّوا بعضهم بدعوى الفساد، ويكفّروا بعضهم الآخر بدعوى تبعيّتهم للحكام، وهؤلاء يأتون، بدون حاجة الثورة السورية لهم، ورغماً عن إرادات أطرافها، مع التأكيد على محدوديتهم.
واضح أن هذه الدعوة لن تكون أحسن من سابقاتها، فدعوات الجهاد لتحرير الاقصى، "أولى القبلتين وثالث الحرمين"، لم تشتغل طوال قرابة خمسة عقود، ولم تشتغل إبان غزو إسرائيل للبنان، ومحاصرة بيروت (1982)، لمدة ثلاثة أشهر، وخلال انتفاضتي الفلسطينيين الأولى (1987 - 1993)، والثانية (2000 - 2004)، ناهيك عن أن فلسطين مغتصبة منذ 63 عاماً. أيضاً، فهي لم تشتغل في حروب إسرائيل على لبنان وعلى الفلسطينيين في الضفة وغزة، ولا إبان الغزو الأميركي للعراق 2000.
ولعل هذا يلفت الانتباه إلى أن دعوات كهذه تكاد تقارب خطابات النظم التسلّطية، التي وظّفت شعارات حربية في الإعلام، والتي دأبت على توظيف قضية فلسطين بادّعاء أنها قضية مركزية، لمجرّد صرف الأنظار عن أية قضايا أخرى.
وما يؤخذ على دعوات كهذه أيضاًـ انفصامها عن الواقع، بحديثها عن عالم إسلامي متخيّل، ومسلمين متخيّلين، كأن هؤلاء غبّ الطلب، في حين المسلم الباكستاني والأندونيسي والماليزي والتركي والأوزباكستاني والصيني والإيراني والأميركي والمغربي والسعودي والمصري واليمني، يبدي لامبالاة ازاءها، بسبب همومه وأولوياته.
آن الأوان، للمشايخ والدعاة الإسلاميين الصادقين، مع التقدير لهم، أن يتحدثوا بلغة الواقع والعصر، فثمة دول ومجتمعات وحدود، ثم قبل الدعوة الى الجهاد بالنفس، وهي "الجهاد الأصغر" عند الإسلام، ثمة "الجهاد الأكبر"، أي الدفاع عن قيم الحرية والمساواة والعدالة في مجتمعاتهم، وهي من الإسلام، ضد الظلم والاستبداد والإفساد، ومن اجل الارتقاء بالتعليم والثقافة والاقتصاد والتكنولوجيا. كما من الأفيد للمخلصين منهم حضّ دولهم ومجتمعاتهم على تقديم الرعاية والدعم للمنكوبين من السوريين، في سوريا وخارجها.
|