التاريخ: تموز ١٨, ٢٠١٣
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
مصر: حوار تفاعلي حول الانقلاب والثورة - السيد يسين
يمكن القول إن السؤال الرئيسي اليوم لا يزال: هل ما قامت به حركة "تمرد"، من حيث نجاحها في حشد الملايين للخروج إلى الميادين لإسقاط حكم الإخوان المسلمين وانحياز القوات المسلحة لهذه الانتفاضة الشعبية، كان ثورة أم انقلاباً؟
 
من الطبيعي أن تنقسم آراء القراء بين من يقطعون بأن ما حدث في 30 يونيو هو انقلاب صريح على الشرعية، والذين ينفون ذلك ويقولون بل لقد كانت موجة ثورية جديدة - إن أردنا أن نتوخى الحذر في استخدام المصطلحات ولا نطلق عليها ثورة جديدة - قامت باسم الجماهير الحاشدة التي هي المعبرة عن الإرادة الشعبية التي أسقطت الدكتور محمد مرسي باعتباره رئيساً لأنه خرج عن الشرعية.

وهذا الخلاف لا يمكن حسمه نهائياً إلا بمراجعة بعض المفاهيم الذائعة وأهمها جميعاً مفهوم الشرعية، الذي يتشبث به – وإن كان من الناحية الشكلية الدستورية البحتة- قادة الإخوان المسلمين.
الشرعية السياسية كما تقدمها أدبيات علم السياسة هي رضاء المحكومين عن نظام الحكم السائد، أو عن الحاكم ملكاً كان أو رئيساً للجمهورية. فإذا انحسر هذا الرضاء – نتيجة للأخطاء الجسيمة لنظام الحكم أو للحاكم أياً كان – فلابد أن تسقط شرعيته. وهذا السقوط قد يكون نتيجة هبة شعبية ثورية كما حدث في 30 يونيو، أو بانقلاب صريح.

ولو تأملنا الموقف بهدوء لأدركنا أن التمسك الشكلي بالشرعية الذي أصرت عليه جماعة الإخوان المسلمين كان هو سبب الفشل التاريخي الذي منيت به.

وذلك لأن الجماعة ظنت وهماً أنها ما دامت قد حصلت على الأكثرية في مجلسي الشعب والشورى مع حزب النور السلفي، فإن من حقها أن تشرّع كما تشاء حتى لو كانت هذه التشريعات ضارة بفئات سياسية بعينها، وفي بعض الأحيان ضارة بمصلحة الوطن.

وغاب عن قادة الجماعة أنه لا ديموقراطية بغير توافق سياسي كما صرح الشيخ راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة الإسلامي في تونس، وذلك في ندوته التي عقدت بـ"الأهرام" منذ أسابيع قليلة.
بمعنى أن أي حزب سياسي – حتى لو حصل على الغالبية في الانتخابات - ليس من حقه أن ينفرد باتخاذ القرارات الكبرى بغير مشاورات جادة مع أحزاب المعارضة.

وأخطر من ذلك كله طريقة ممارسة رئيس الجمهورية سلطاته بعد نجاحه في الانتخابات الرئاسية. هناك عرف دستوري مستقر في أعرق البلاد الديموقراطية وهو أن المرشح الذي نجح في الانتخابات وأصبح رئيساً بحصوله على 50+1 في المئة كما تقضي المعايير الديموقراطية الشكلية، ليس من حقه أن يمارس السلطة وكأنه ديكتاتور مطلق السراح استنادا إلى الشرعية السياسية التي أوصلته إلى المنصب.

ولكن هذا ما حدث للأسف في ممارسة الدكتور محمد مرسي للرئاسة، فقد أصدر عديداً من التشريعات المعيبة التي ألغتها المحاكم، وأخطر من ذلك أنه أصدر الإعلان الدستوري الذي منح فيه نفسه سلطات مطلقة. وليس هكذا تمارس الشرعية في أي بلد ديموقراطي معاصر.

وبغض النظر عن تشخيص ما حدث وما أدى إليه من موجة ثورية خرجت لإسقاط حكم جماعة الإخوان المسلمين، فإن الموقف اليوم بعد ما حدث يشير إلى مشهد انقسامي لم يحدث قط في التاريخ السياسي المصري.

وذلك لأن تأمل ظاهرة توزع الجماهير المؤيدة للموجة الثورية والجماهير الرافضة لها في الميادين المختلفة بكل ما يدور فيها من شحن جماهيري وهتافات زاعقة ومطالب يستحيل تحقيقها، يجعلنا نقرر بكل وضوح أن الوطن العزيز الذي يظللنا جميعاً في خطر شديد، وأن الدولة ذاتها مهددة بالانهيار، إن لم يتم ردم الفجوة بين الجماهير الثائرة والرافضة لحكم الإخوان المستبد وأعضاء الجماعة الذين خرجوا يمارسون العنف باسم الدفاع عن الشرعية، مع أنها بحكم الممارسة شرعية منقوصة تآكلت مع استمرار الأخطاء القاتلة التي ارتكبتها القيادات الإخوانية سواء منها التي مارست الحكم مباشرة أو مارسته من وراء ستار.

وقد بلغ الشطط بقادة جماعة الإخوان مداه برفضهم المطلق للإرادة الشعبية التي عبرت عن نفسها في 30 يونيو وبدلاً من ممارسة النقد الذاتي بكل شجاعة لتلافي الأخطاء الجسيمة في الممارسة، والتي أثرت بالفعل على صورة الجماعة في أذهان الشعب، إندفع قادتها للتحريض على القوات المسلحة التي بدعمها لموجة 30 يونيو حمت البلاد من انشقاق خطير كان جديراً بتفكيك المجتمع.
وحين تأملت تعليقات قرائي الكرام وجدت بعضهم – بغض النظر عن الموافقين والمعترضين – تجاوز تشخيص ما حدث، وانطلق إلى آفاق صوغ حلول مقترحة للخروج من المأزق التاريخي الذي تمر فيه بلادنا الآن.

وقد لفت نظري بشدة تعليق الدكتور أحمد الجيوشي النقدي في قوله أننا نفتقر إلى المعايير والمرجعيات، ونبدل مواقفنا حسب موقفنا من السلطة والمعارضة.

وأحسب أن هذه الملاحظة ينبغي أن نتوقف أمامها طويلاً، لأن المرجعيات الديموقراطية التقليدية وفي مقدمها مفهوم الشرعية الدستورية تحتاج إلى مراجعة جذرية، وإلا أصبح من حق أي حزب سياسي حصل على الأكثرية في الانتخابات أن يمارس ما يعرف بديكتاتورية الغالبية، أو ان أي رئيس يحصل على نسبة 50 + 1 في المئة من حقه أن يمارس الحكم المطلق بلا ضوابط دستورية أو قانونية.

وحتى نخرج من النفق المظلم تصدى الأستاذ "ماهر زريق" لتقديم حل متكامل للأزمة يتكون من أربع خطوات متكاملة. أولها صوغ رؤية واضحة ومقنعة تتناول أبعاد النهضة (اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً)، وهي التي دعونا لها منذ زمن بعيد حين تحدثنا عن ضرورة وضع رؤية استراتيجية Strategic Vision تصوغ السياسات للعشرين عاماً المقبلة. ويشير الأستاذ زريق إلى نقطة مهمة هي أن هذه الرؤية ينبغي أن تكون مقنعة للمواطنين، بحيث يجد كل مواطن دوره فيها وتتحدد في الوقت نفسه الفوائد المشروعة التي سيجنيها حين تتحقق.

والخطوة الثانية هي الاعتماد على طائفة متنوعة من الخبرات التي ينبغي البحث عنها وفق خطة متكاملة سواء بين خبراء الداخل أو المقيمين في الخارج، والخطوة الثالثة اكتساب الخبرة اللازمة في مجال "إدارة الأزمات" التي يتوقع أن تتكاثر ونحن ننتقل من التخلف إلى التقدم، وأخيراً أهمية التواصل الفعلي مع كل الفصائل السياسية وكل الفئات الاجتماعية بطريقة إيجابية حتى تكون العلاقة متبادلة بين المرسِل والمستقبِل.

كل هذه اجتهادات مقدرة من قبل القراء الذين لم يكتفوا بممارسة النقد الذاتي ولكن تجاوزوه لاقتراح الحلول.

 باحث مصري