التاريخ: آب ١٢, ٢٠١٣
المصدر: nowlebanon.com
لكلّ طائفة جنونها - حازم صاغية
الوعي الطائفيّ، حين يندفع بعيداً، أي حين يصبح وعياً أقصى، يغدو بالغ القصور والتشوّه. فهو لا يستطيع تفكير المجتمع الذي هو جزء منه، ولا يستطيع تفكير ذاته بقياس ذاك المجتمع. مخيّلته تتراوح بين طرفي المحدود والمنفلش: في حالته كـ"محدود"، يعجز عن رؤية الآخر، وفي حالته كـ"منفلش"، يتراءى له أنّه موضوع مؤامرة كونيّة لا تتعب.
 
الوعي الطائفيّ حين يكون مضبوطاً بشروط الاجتماع اللبنانيّ لا ينتهي، بالضرورة، إلى مثل هذا المآل الكئيب. ذاك الوعي، كما رأيناه بين الاستقلال في 1943 وانفجار حرب السنتين في 1975، استطاع أن يفكّر البلد ككلّ، وأن يحاول صياغته. هذا ما تشهد عليه، بطريقتها، أعمال "الندوة اللبنانيّة" مثلاً لا حصراً. لقد كان في إمكانها، مع كلّ التحفّظات الشرعيّة عليها، أن تكون عملاً تأسيسيّاً قابلاً للبناء عليه ولتجاوزه في وقت واحد.
 
ذاك الزمن كان زمن الدولة والسعي إلى بناء مجتمع ينحو إلى شيء من التجانس. 
 
اليوم أوضاعنا مختلفة جدّاً. فإذا نظرنا في أحوال الطوائف الثلاث الكبرى في لبنان رأينا كلاًّ منها تمارس جنونها بطريقتها.
 
- المسيحيّون الذين لم يتعافوا من هزيمة حرب السنتين، ثمّ هزيمة اتّفاق الطائف، لا يعرفون كيف يفكّرون لبنان الذي لم يعودوا قادته، كما انخفض عددهم ووزنهم فيه انخفاضاً كبيراً. ومثل هذا الاغتراب عن الواقع الراهن يحملهم على التورّط في مزيد من العزلة الريفيّة، بل الضيعويّة، مع ما يرافق ذلك من تعاظم الحذر حيال كلّ آخر ومختلف، ومضغ المألوف السياسيّ والثقافيّ القديم ورفعه إلى مصاف المحرّم.
  
- الشيعة الذين لا يفوتهم أنّهم محاصَرون في الخارج، وأنّ الكثيرين في الداخل ينتظرون سقوط حزبهم السياسيّ – العسكريّ لكي ينقضّوا عليهم، يردّون بالمضيّ في الإنكار والمكابرة وبالمداواة "بالتي كانت هي الداء". إنّهم مستمرّون في عمليّة استدراج عداء الجميع وتعميق الحفرة التي يتدحرجون باتّجاهها. وما مشاركة حزبهم في المعارك السوريّة غير مثل باهر على هذا الهرب الكبير من الواقع القاهر.
 
- السنّة الذين يكابدون ضعفهم القياديّ، يبدون فاقدين كلّ قدرة على الرؤية. تأخذهم هبّات عابرة وموضعيّة يثوبون بعدها إلى عجز مقيم. أمّا أن يفكّروا التحوّلات العميقة التي طرأت على المجتمع اللبنانيّ، وأن يراجعوا طريقة فهمهم التقليديّ للسياسة فيكاد يبدو طلباً مستحيلاً. يلخّص هذا الواقعَ، لدى السنّة، حجم المسافة التي تفصل بين كراهيّتهم لحزب المقاومة، حزب الله، وبين امتثالهم غير النقديّ بتاتاً لـ"المقاومة" كمبدأ ولما يتفرّع عنه تالياً.

إنّ كلّ طائفة تجنّ بطريقتها في لبنان.