التاريخ: آب ١٨, ٢٠١٣
المصدر: موقع المقر - الأردن
ثمن الانقلاب العسكري في مصر - اسامة الشريف
اختارت الدولة المصرية فض اعتصامات الاخوان وانصار الرئيس مرسي بالقوة، رغم خطورة هذا الخيار وتداعياته القادمة، وهي بذلك تدفع الكلفة السياسية لهكذا قرار.

تعقد المشهد السياسي المصري تماما بعد انقلاب 3 يوليو واعتصام عشرات الآلاف من الاسلاميين المطالبين بعودة الشرعية لنحو اربعين يوما في رابعة العدوية وميدان نهضة مصر ورفض قيادات الاخوان للمبادرات السياسية على اختلاف اشكالها.

كان على رجل مصر القوي، الفريق عبد الفتاح السيسي، ان يمضي حتى نهاية الطريق بفض الاعتصام اولا وبقصم ظهر حركة الاخوان المسلمين سياسيا ثانيا. دفع ذلك بمصر الى نفق مظلم وفتح الافاق على سيناريوات متعددة لما قد يحدث في الايام والاسابيع المقبلة.

رد الفعل الغربي المعارض لخطوة السيسي لا يمكن فهمه مصريا الا من باب وقوف هذه الدول ضد ارادة الشعب المصري الذي خرج في 30 يونيو و26 يوليو بالملايين يطالب بانهاء عهد الاخوان. لكن التحدي الذي يواجهه حكام مصر الجدد، وعلى رأسهمالمؤسسة العسكرية، يتمثل في الحفاظ على بنية الدولة المصرية بأي ثمن. هذا يعني اننا سنرى المزيد من اراقة الدم في الايام القادمة والمزيد من المواجهات الدامية بين ابناء الشعب المصري.

على الأغلب ان الدولة ستنجح في قمع مناصري الاخوان باعتبار ان العودة الى الوراء والانخراط في مبادرات سياسية جديدة اصبحا من الماضي. هدف الدولة المصرية الآن هو القضاء على حركة الاخوان سياسيا وفي الميادين بغض النظر عن الكلف والتبعات. سنرى تراجعا في حجم التظاهرات المناهضة للانقلاب، خاصة في القاهرة،مع بقاء خطر المواجهات في المحافظات النائية مرتفعا في الاسابيع القادمة. ستفرض الدولة المصرية هيبتها في نهاية الأمر وستقمع بشدة مظاهر التحدي والاعتداءات والترويع واستخدام السلاح. سيدعمها الرأي العام المصري في ذلك لأن البديل هو الفوضى والاقتتال والطائفية واضعاف الدولة المركزية.

لكن القضاء على حركة الاخوان وزج قادتهم في السجون ومصادرة اموالهم واغلاق مقراتهم سيخلق واقعا جديدا عاشته مصر في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. ستنخرط فئة من الجهاديين المحسوبين على الحركة وعلى السلفيين والجماعات الاسلامية الاخرى من الشباب في العمل السري، وستلجأ الى الارهاب والى التواصل مع القاعدة وافرعها في سيناء وليبيا والجزائر والشام والعراق وغيرها.

هناك من ينادي منذ الآن باقصاء الحركة سياسيا والقضاء عليها باعتبارها لجأت الى الارهاب والى السلاح وحاربت الدولة المصرية وحرقت الكنائس واعتدت على الاقباط وعلى الشرطة والجيش. القرار النهائي حول هذا سيمثل تكرارا لتجارب مرت مصر فيها في الاربعينات والخمسينات في العهد الملكي وبداية العهد الناصري. استبعد سيناريو الحرب الاهلية لكن اخشى على مصر من التدخلات الخارجية ومن مؤامرات كبرى تحاك ضدها.

مواجهة خطر الارهاب الديني سيعظم من دور الجيش ومؤسسته التي عادت اليوم الى الواجهة وهي الحاكم الحقيقي لمصر والمسير لعمليته السياسية. وهذا يستدعي من الاحزاب السياسية القومية والليبرالية واليسارية اعادة النظر في تحالفها مع الجيش؛ ذلك التحالف الذي مهد الطريق لعزل مرسي وعودة المؤسسة العسكرية الى الواجهة. المرجح هو بقاء الجيش كلاعب اساسي في العملية السياسية، يفرض ذلك ظروف المواجهة مع الارهاب الديني، واستمرار حالة الطوارئ وتأجيل الكثير من الاستحقاقات الدستورية.

سيبرر بعض السياسيين ذلك من مقتضى انقاذ الدولة المدنية من محاولة الاسلام السياسي الاستحواذ عليها، مشيرين الى تجربة واخطاء مرسي القاتلة. لكن معالم الطريق تشير الى حقيقتين رئيسيتيين هما: استمرار العسكر في ادارة العملية السياسية في ظل ازدياد التطرف الديني وتعرض أمن الدولة المصرية لخطر الارهاب. لم يكن الانقلاب العسكري بلا ثمن!